منوعات

أجراس موسكو في قلب القدس.. أوكرانيا تشعل الحرب بين روسيا وإسرائيل في المدينة المقدسة

في أحد أيام الأحد المُقدَّس عند المسيحيين، الذي وافق 12 يونيو/حزيران الماضي، تجهَّز السفير الروسي لدى إسرائيل “أناتولي فيكتوروف” ومواطنوه من أجل حفل افتتاح المتحف الروسي الأرثوذكسي الجديد في مبنى بعثة القديس “سِرجيوس” بالقرب من المُجمَّع الروسي بوسط مدينة القدس المحتلة. يروي المتحف قصة الحُجَّاج الروس الذين توافدوا على الأراضي الفلسطينية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويحوي أيضا الوثائق وبعضا من حاجيات الحجاج أنفسهم، مع عدد من الكتب والصور. ورغم أن عددا من المُحتَجِّين على الحرب الأوكرانية الدائرة الآن استغلوا الحفل للتظاهر في المكان ذاته والهتاف بشعار “المجد لأوكرانيا”، فإن الفعاليات جرت كما خُطِّط لها حتى حان موعد كشف السفير الروسي عن لوح جديد في مدخل المتحف، حين أقدم عدد من المتظاهرين على تعطيل مهمة السفير مما دفعه نحو المغادرة دون رفع الستار عن اللوح.

غادر السفير المكان، ولكن لم تترك روسيا طموحاتها أبدا باسترداد مُمتلكاتها الوقفية الكنسية في عموم فلسطين التي يعود تاريخها إلى أكثر من قرن ونصف القرن. بل ويمكن القول إن توقيت افتتاح المتحف بالتزامن مع الحرب الأوكرانية لم يكن عفويا. فقد أرادت موسكو إرسال رسالة مفادها تأكيد تاريخ الوجود الروسي في الأراضي المقدسة بفلسطين وعنايتها به، تزامنا مع توتُّر العلاقات مع إسرائيل بسبب انحياز الأخيرة إلى أوكرانيا، إذ يرتفع الآن أكثر من أي وقت مضى سقف المطالب الروسية باستعادة كنائس ومدارس ومقار وأراضٍ روسية عديدة في فلسطين، وأشهرها “المُجمَّع الروسي” أو “المَسكوبيَّة”، نسبة إلى “موسكو” أو “موسْكْفا” بالروسية بعد أن انقلبت الفاء إلى باء في العربية.

روسيا.. النسخة الفلسطينية

علم جمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية فوق مجمع الإسكندر في القدس. (شترستوك)

إذا ما سِرنا مُبتعِدين عن البلدة القديمة في القدس باتجاه الشمال الغربي، ومَشينا لبضع دقائق سيرا على الأقدام، فسرعان ما سنجد أنفسنا في قلب المسكوبية أو المُجمَّع الروسي، وهو النسخة الفلسطينية المُصغَّرة والمُقدَّسة من روسيا التي بناها قياصرة موسكو لأجل الحجاج من المسيحيين الروس قبل نحو قرن ونصف القرن. ففي أوائل القرن التاسع عشر، سارعت روسيا إلى حيازة قطعة من عقارات الأرض المقدسة في قلب فلسطين، وذلك بموجب قانون الأراضي العثماني الذي أتاح رسميا تحويل ملكية أراضي الدولة إلى ممتلكات خاصة. وقد أرادت آنذاك روسيا بسط نفوذها في فلسطين لأهميتها الدينية، تحت ذريعة تلبية رغبات الحجاج إلى الأراضي المقدسة.

بدورها، منحت الدولة العثمانية امتيازات للروس في المدينة، ففي عام 1844 سُمح لأول أرشمندريت أرثوذكسي روسي بالعيش في القدس (و”الأرشمندريت” راهب رفيع المستوى يُشرف أحيانا على عدد من الأديرة). وبعد ثلاث سنوات، أوفدت روسيا القيصرية إرسالية كنسية إلى القدس للنظر في تأسيس وجود لها هناك. وقد تمكَّن القيصر “ألِكسندر” الثاني من إقناع العثمانيين ببناء قنصلية روسية في القدس ظهرت إلى النور عام 1858 على أرض استأجرها الروس اعتقادا بأنها تحوي ما يُعرَف بـ”بلوطة إبراهيم”، وهي شجرة بلوط قديمة تُنسب إلى نبي الله إبراهيم. وقد عَيَّن القيصر قنصلا روسيًّا لخدمة مصالح بلاده في فلسطين والإشراف على النشاطات الروسية هناك، مثل بناء المكاتب وإنشاء المؤسسات لخدمة الحجاج الروس، لا سيما في مدينتَيْ القدس ويافا. وكانت أبرز تلك المؤسسات “الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية” (IOPS) التي دشَّنها “وَسيلي خيتروفو”، رجل الدولة الروسي، عام 1882 بُغية الترويج للحج الأرثوذكسي الروسي إلى المدينة.

على مدار السنوات القليلة التالية، عمل الروس على توسيع أملاكهم في فلسطين تحت رعاية القيصر، حتى إنهم بنهاية الحرب العالمية الأولى كانوا قد أنشأوا شبكة مدارس ممتدة بلغ عددها 114 مدرسة، وكذلك مستشفيات لعلاج الحجاج الروس، وغيرها. وقد بدأ بناء المُجمَّع الروسي بالحجارة المستوردة من روسيا بين عامَيْ 1860-1890، وهو يضم كنيسة الثالوث المقدس بقبابها الخضراء وأبراجها الأربعة المميَّزة، على الطراز نفسه للكنائس الروسية الكُبرى في “موسكو” و”سانت بطرسبرغ”، التي افتُتِحَت عام 1872، إضافة إلى واحد من أهم أجزاء المُجمَّع وهي “ساحة ومبنى سِرجي” اللذان شُيِّدا مع برج كبير (عُرف بالعربية بـ”الطنطورة” لارتفاعه) عام 1890 بواسطة الدوق الأكبر “سِرجي ألِكساندروفيتش”، الذي ترأس حينها الجمعية الأرثوذكسية الإمبراطورية الفلسطينية وكان أخا للقيصر “ألِكسندر” الثالث، فسُمِّيَ المبنى والساحة المصاحبة له باسمه. (وقد جرى العُرف طيلة القرن التاسع عشر أن يُكلِّف القيصر أخاه بالإشراف على الحضور الروسي في القدس).

مجمع 11
تم بناء بعثة القديس سرجيوس أو بيت ضيافة القديس سرجيوس في القدس عام 1890 من قبل جمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية للحجاج. (شترستوك)

يضم المُجمَّع أيضا مبنى “دهوفنيا” الشهير الذي اتخذته البعثات المسيحية الأرثوذكسية مقرا لنشاطاتها وموقعا لمكتبة خاصة بها، قبل أن يستخدمه موظفو الانتداب البريطاني بعد احتلالهم البلاد عام 1917، ومن بعدهم بات “دهوفنيا” مقرا للمحاكم الإسرائيلية بالقدس حتى عام 1992. ويحوي المُجمَّع ساحات أخرى مثل ساحة “ماريانسكيا”، النُّزُل المُخصَّص سابقا للنساء من الحجاج الروس، قبل أن يستخدم البريطانيون غُرفه سجونا أثناء احتلالهم لفلسطين، وساحة “إليزابيث”، النُّزُل المُخصَّص للرجال من الحجاج، وقد صار الآن مقرا للشرطة الإسرائيلية، وساحة “نيقولاي”، التي بُنيَت على مساحة أكبر لاستضافة الأعداد المتزايدة من الحجاج. ويُضاف إلى كُل ذلك الوجود الروسي ساحة “ألِكسندر” داخل البلدة القديمة بالقدس والمتاخمة لكنيسة القيامة الشهيرة، وبُنيَت عام 1896 وتحوي كنيسة “ألِكسندر نِفسكي”، وهي ثاني أهم موقع روسي في القدس بعد المُجمَّع الروسي.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، سيطرت القوات العثمانية على الأملاك الروسية آنفة الذكر، وطردت كهنة المُجمَّع وموظفيه، ولم تُفلت تلك الأملاك من يد العثمانيين إلا عندما هُزِموا على يد البريطانيين عام 1917، وهو العام نفسه الذي اندلعت فيه الثورة البلشفية وأطاحت بالإمبراطورية الروسية ليحل محلَّها الاتحاد السوفيتي. وقد اتخذ البريطانيون من مباني المُجمَّع الروسي الضخمة والمُركَّزة في موقع واحد مُحاط بالأسوار مقرا لمعظم مهامهم الإدارية داخل الأرض المُحتلَّة الآن، حتى أُطلِق على المُجمَّع اسم “بِفينغراد”، وهو اسم شقه الأول “بِفين” إشارة إلى وزير الخارجية البريطاني “إرنست بِفين”، وشقه الثاني “غراد” يعني “البلدة” بالروسية، وشاع استخدامه في تسمية مدن مثل “لينينغراد” و”ستالينغراد”.

خريطة القدس 111
خارطة القدس من تطبيق “خرائط غوغل” توضِّح في أعلى اليسار المسكوبية (المُجمَّع الروسي) داخل الخطوط الحمراء، وفي قلب الصورة إلى اليمين قليلا ساحة “ألِكسندر” (عند النقطة الصفراء) وإلى شرقها الحرم القُدسي.

سرعان ما قلَّص السوفييت صلاحيات الكنيسة في الداخل والخارج بالتزامن مع رفض البريطانيين الاعتراف بسلطة الاتحاد السوفيتي على أملاكها في فلسطين، حيث استولى الانتداب البريطاني على فناء ساحة “سِرجي” واستخدموه مركزَ شرطة وسجنا ومبنى حكوميا. وقد تضاءلت أعداد الحجاج المسيحيين في العهد السوفيتي حتى كادت تنقطع، ومن ثمَّ بدا أن صفحة الحضور الروسي في القدس قد طويت في ظل سلطان الشيوعية داخل روسيا وتمدُّد السلطة الإسرائيلية الجديدة. أمَّا الكنيسة الأقدم التي بقيت تحت تصرُّف السلطة الفلسطينية باعتبارها جزءا من وقف إسلامي مُستأجَر منذ العهد العثماني، فقد منحها الرئيس “ياسر عرفات” للبعثة الروسية في القدس عام 1997، وثمَّة مخاوف فلسطينية من أن تؤول ملكية الكنيسة والأرض المبنية عليها إلى المستوطنين.

فلسطين الروسية.. في قبضة الصهيونية

مع احتلال الأراضي الفلسطينية من قِبَل العصابات الصهيونية وإعلان دولة “إسرائيل” عام 1948، قدَّر المحتل الجديد أهمية الروس في تحرير الشرق من الأتراك، وفي الوقت ذاته أدركت موسكو أهمية البطاركة الشرقيين في خدمة مصالحها السياسية والعسكرية والدبلوماسية، مما دفعها إلى تخصيص مساعدات مالية للوقف المسيحي. وفي مقابل دعم السوفيات لإقامة دولة الاحتلال، سهَّلت الأخيرة إرجاع جميع ممتلكات الروس إلى موسكو، ومن ثمَّ وصل إلى القدس أول وفد روسي مسيحي في عهد السوفييت، وصدر أمر من مجلس الوزراء السوفيتي عام 1950 قضى بعودة نشاط الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية في “دولة إسرائيل”.

مع مرور الوقت، باع السوفيات بعض الأملاك الدينية لحكومة الاحتلال، ففي عام 1964 بِيع عقار في وسط القدس كان مملوكا لبطريركية موسكو مع عدد من مباني المُجمَّع الروسي (غرب البلدة القديمة للقدس)، وذلك مقابل كمية من برتقال يافا أُرسِلَت إلى روسيا بقيمة 4.5 ملايين دولار في حينه، حيث لم يتوافر لدى الإسرائيليين آنذاك ما يكفي من النقد الأجنبي. وقد استخدمت دولة الاحتلال ساحة “سِرجي” لسنوات مقرا لوزارة الزراعة الخاصة بها، كما خُصِّص جزء منها لجمعية حماية الطبيعة وهيئة الحدائق حتى عام 2012.

بعد بيع تلك الممتلكات عام 1964، أضحى الوجود الروسي في المُجمَّع ضئيلا، واقتصر على احتفاظ جمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية بمكتب هناك، فيما اعتاد المهاجرون اليهود الروس إلى إسرائيل التردُّد على المطاعم والبارات في المنطقة، التي تحوَّلت تدريجيا إلى مركز للحياة الليلية في القدس مع تكاثر الحانات والمطاعم التي غالبا ما حازت أسماء روسية. ومع مرور الوقت نظرت المخابرات الإسرائيلية -في أوج التحالف الإسرائيلي مع الولايات المتحدة- إلى المُجمَّع بقدر كبير من الشك، وألمحت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رواد المُجمَّع كانوا في الواقع عملاء لجهاز الاستخبارات السوفياتية (KGB).

أولمرت 11
عام 2008، بحث أولمرت عن وسيلة لإقناع الروس بمراعاة المصالح الإسرائيلية، فلم يجد سبيلا سوى اللعب بورقة رغبة الكرملين في استعادة ملكية مواقع دينية تاريخية روسية في القدس المحتلة. (رويترز)

في عام 2008، كان رئيس الوزراء آنذاك “إيهود أولمرت” مُتلهِّفا لأي وسيلة تُقنع الروس بعدم بيع الأسلحة إلى سوريا وإيران، وتحديدا نظام “إس-300” للدفاع الجوي. وقد بحث عن وسيلة لإقناع الروس بمراعاة المصالح الإسرائيلية، فلم يجد سبيلا سوى اللعب بورقة رغبة الكرملين في استعادة ملكية مواقع دينية تاريخية روسية في القدس المحتلة، وهي رغبة بدأت موسكو تُفصِح عنها في التسعينيات مع انهيار الاتحاد السوفياتي. ومن ثمَّ أخذت الحكومات الروسية المتعاقبة تطالب باستعادة الأملاك في فلسطين، واسترداد جميع مباني المسكوبيَّة، مُعتبرة صفقة البرتقال التي أضاعت غالبية أملاك الوقف الروسي صفقة غير شرعية.

ولذا، لم يتردَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بتقديم ساحة “سِرجي” هدية إلى الحكومة الروسية، دون التفات إلى الأصوات الإسرائيلية التي رفضت بشدة فكرة التنازل عن أجزاء من القدس لصالح دولة أخرى لما يُمثِّله ذلك من سابقة قد تحذو حذوها دول أخرى، بل وقد يستخدمها العرب وعلى رأسهم فلسطين والأردن للمطالبة بحقوقهم التاريخية، وهو ما يفتح بابا لا قِبَل لإسرائيل به بطبيعة الحال. وقد نُفِّذ قرار “أولمرت” في الأخير، بل وانكب الإسرائيليون لترميم الساحة طيلة ست سنوات في محاولة لإعادة المبنى إلى شكله القديم، إذ رُمِّمَت النوافذ الكبيرة وغرفة الطعام والأسقف بجدارياتها التي تُصوِّر السيد المسيح وتلاميذه.

وفي حفل حضره مسؤولون روس، افتُتحت الساحة بحدائقها الخضراء مع فندق ومكتبة ومتحف يستعرض تاريخ المُجمَّع الروسي. وقد منح ذلك الروس تفاؤلا بشأن استرداد الممتلكات الوقفية الكنسية في عموم فلسطين، سواء في القدس أو أراضي 48، وحتى في الضفة الغربية، لكن مطالبات الحكومة الروسية العديدة بتسليمها سائر الممتلكات الروسية لم تلقَ استجابة إسرائيلية حتى عام 2020، الذي وعد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “بنيامين نتنياهو” نظيره الروسي “بوتين” بمنح الروس السيطرة على ساحة “ألِكسندر” في القدس المحتلة.

تعود تفاصيل هذه القضية إلى عام 2019، حين اعتقلت روسيا امرأة إسرائيلية اسمها “نعمة يسسخار” وتحمل الجنسية الأميركية لحيازتها 10 غرامات من الحشيش أثناء مرورها قادمة من الهند نحو إسرائيل في مطار موسكو. وسرعان ما أثارت القضية غضبا واسعا في الداخل الإسرائيلي، حيث نُظِر إلى الاعتقال على تلك الكمية الصغيرة بوصفه قرارا سياسيا لا أكثر. وفي ذلك الوقت، عرضت موسكو الإفراج عن “نعمة يسسخار” مقابل تسليم دولة الاحتلال المواطن الروسي “ألِكسي بوركوف”، الذي احتجزته تل أبيب حينذاك للاشتباه بصِلته مع المخابرات الروسية وضلوعه في هجمات إلكترونية ضد الولايات المتحدة. بيد أن إسرائيل لم تستجِب لطلب الروس، وسلَّمت “بوركوف” لواشنطن بالتزامن مع تقديم بديل آخر يمتص غضب الروس، إذ تعهَّد نتنياهو “بمنح موسكو السيطرة على ساحة “ألِكسندر”.

إسرائيل والوعود الخاوية.. كالعادة

كنيسة ألكسندر 11
كنيسة “ألكسندر” (شترستوك)

منذ ذلك الحين، طالبت موسكو بنقل ملكية الكنيسة التي تعتبرها أهم موقع روسي في “الحوض المقدس”، ومركز استقطاب للحجاج الروس على اعتبار أنها مسجلة باسم “الإمبراطورية الروسية العظمى” في وثائق الحكم العثماني، ثم البريطاني، ومن بعده الأردني، وصولا إلى السيطرة الإسرائيلية. بيد أن نتنياهو رحل دون أن يُنفِّذ قراره بسبب تعنُّت الإسرائيليين ممن رفضوا التنازل عن الأراضي لصالح “سلطات أجنبية”. ولم تكتفِ إسرائيل بالمماطلة بتنفيذ ما تعهَّد به “نتنياهو” للروس، بل جاءت الطامة الكبرى بالنسبة للروس عندما أصدرت المحكمة المركزية بالقدس في مارس/آذار الماضي قرارا ألغى منح الحكومة الروسية السيطرة على كنيسة “ألِكسندر”، وهو القرار الصادر سابقا بعد التماس قدَّمته جمعية فلسطين الأرثوذكسية، التي امتلكت العقار حتى العام الماضي. وقد تذرَّع القاضي بعدم تسجيل الحكومة الروسية على أنها المالك الشرعي للكنيسة، نظرا لأن الدولة الروسية الحالية لا تحمل الاسم نفسه للإمبراطورية القيصرية المُسجَّل باسمها العقار.

لم تظهر أيُّ بوادر على صدق النِّيَّات الإسرائيلية إذن بشأن وعود نقل ملكية الكنيسة، وخاصة في خضم غزو أوكرانيا في فبراير/شباط الماضي، حيث نظر الروس بغضب شديد لاصطفاف الإسرائيليين مع المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة رغم ظهورها طرفا محايدا في مواقف عديدة سابقا. فقد كانت إسرائيل أول دولة تُنشئ مستشفى ميدانيا في أوكرانيا، وأرسلت شحنات من معدات الحماية إلى خدمات الطوارئ الأوكرانية، بل ومضت نحو التصويت لصالح قرار الأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا في لجنة حقوق الإنسان في إبريل/نيسان الماضي.

من جديد، فتحت روسيا ملف ساحة “ألِكسندر”، فأرسل بوتين رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “نفتالي بينيت” يطالبه فيها بنقل ملكية أراضي الكنيسة إلى بلاده، وذلك بعد يوم واحد من توجيه وزارة الخارجية في موسكو انتقادات لوزير الخارجية آنذاك (ورئيس الوزراء حاليا) “يائير لَبيد” لاتهامه روسيا بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا. ثم جاءت زيارة رئيس الوزراء الروسي السابق “سِرجي ستِباشين” إلى تل أبيب، بصفته رئيسا حاليا للجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية، حيث أعلن الرجل المعروف بقُربه من بوتين “القتال من أجل عودة ساحة ألِكسندر”، وشنَّ هجوما على إسرائيل لعدم نقل المُجمَّع الروسي في القدس إلى حوزة بلاده رغم تقديمها جميع الوثائق التاريخية التي تُثبت حقَّها فيه. وقد تحدَّث نائب رئيس الجمعية “إيغور أشوربيلي” عن تخطيط موسكو لاستعادة ثلاثة مواقع دينية تاريخية لها في القدس، هي كنيسة الصعود الروسية الأرثوذكسية، وكنيسة مريم المجدلية، وبرج جرس الشمعة الروسي الذي يقع على جبل الزيتون.

مسكوبية 1
يبدو مصير “الساحات” الروسية مُعلَّقا بالسياسة أكثر مما هو مُعلَّق بالقانون والحقوق التاريخية في ظل هيمنة دولة استيطانية لا تعبأ كثيرا بالحقوق التاريخية. (شترستوك)

تحدَّث “ميدان” إلى “دِميتي دلياني”، رئيس “التجمُّع الوطني المسيحي بالقدس”، الذي قال إن روسيا تؤكَّد حيازتها جميع الوثائق التاريخية التي تُثبِت حقها في المُجمَّع الروسي كونه مسجلا في سجل الأراضي العثماني باسم “المملكة الروسية”. وأوضح “دلياني”: “في حين لم يلتزم نتنياهو بعهده كما هو معتاد، دخلت دولة الاحتلال جولات انتخابية عطَّلت اتخاذ أي قرار في ملف المُجمَّع، وكان بينيت قد شكَّل لجنة وزارية لحسم القضية منتصف العام الماضي، لكن اللجنة لم تجتمع أبدا، مما أكَّد عدم نية حكومة الاحتلال الالتزام بتعهُّد نتنياهو”. وأشار “دلياني” إلى أنه مع انحياز دولة الاحتلال لأوكرانيا، بدا واضحا أن روسيا لم تَعُد تتقبَّل المماطلة الإسرائيلية، لا سيما أن المحكمة المركزية الإسرائيلية قرَّرت بداية هذا العام أن مسألة تسجيل ملكية المُجمَّع باسم الحكومة الروسية بيَد الحكومة وحدها، ثم أردف: “لقد خلقت استعادة ملكية ساحة المسكوبية سابقة لاستعادة جميع الأملاك الروسية في فلسطين، وأعتقد أن هذا أمر مريب لدولة الاحتلال التي لا تريد فتح الباب أمام آخرين لاستعادة أملاكهم”.

على أي حال، من المؤكد أن المسؤولين في تل أبيب يشعرون بقلق من أن يؤدي تفاقم التوترات مع موسكو بسبب الخلاف حول “ملكية” الكنيسة، وكذلك بسبب الحرب على أوكرانيا، إلى الوصول إلى أزمة حقيقية بين إسرائيل وروسيا، إذ إن إسرائيل ما زالت حريصة على علاقاتها بالروس كي تحمي حرية تحرُّكها العسكري في سوريا لضرب الأهداف الإيرانية. وقد قال “أنطوان شلحت”، الباحث الرئيسي في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”، في حديث لـ”ميدان” إن إسرائيل لن تتحمل استمرار التوتر، والسبب الأهم يظل مرتبطا بما سبق أن قالته إسرائيل، وفحواه أنها تَعتبر روسيا بمنزلة دولة حدودية نظرا لما لها من تأثير في سوريا، ونظرا لتشكُّل علاقات تنسيق بين روسيا وإسرائيل في كل ما يتعلق بتغلغل النفوذ الإيراني في سوريا.

لا شك أن إسرائيل تتطلع بقوة لطيِّ صفحة التوتر مع روسيا في أقرب وقت مُمكِن، على العكس من روسيا التي لا تُمانع من الضغط على إسرائيل والتشهير بعلاقاتها بالولايات المتحدة لأغراض دعائية، لا سيما وعلاقاتها بإيران تزداد قوة مؤخرا على خلفية الحرب. وفي الأخير، يبدو مصير “الساحات” الروسية مُعلَّقا بالسياسة أكثر مما هو مُعلَّق بالقانون والحقوق التاريخية في ظل هيمنة دولة استيطانية لا تعبأ كثيرا بالحقوق التاريخية، ولطالما برعت في التحايل القانوني لإنكار حقوق غيرها في الأراضي والعقارات التاريخية والاستيلاء عليها غصبا، وما حقوق الفلسطينيين المُهجَّرين من منازلهم منذ عقود من ذلك ببعيد.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى