منوعات

أزمات البلقان في مهرجان سراييفو السينمائي الدولي | آراء

تنزل صحفية بوسنية من سيارتها الرباعية الدفع أمام أحد المنازل القديمة في سراييفو أثناء الحرب وهي ترتدي خوذة حماية الصحفيين الزرقاء الشهيرة، تسير بهدوء نحو غرفة شخص مسنّ ممدد على سريره وحوله مقتنيات توحي بأنه بلغ من الكبر عتيا، بهدوء تجلس بجواره وتسأله إن كان حقا شاهد اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند عام 1914 عندما كان طفلا، وهو الحدث الذي أشعل الحرب العالمية الأولى، فيجيبها بالإيجاب.

تبدأ الصحفية التي تعمل في وكالة “أسوشيتد برس” (Associated Press) تدوين ما يقول. يسرد الرجل تاريخ المدينة التي عاش فيها 90 عاما، وتظهر مقاطع أرشيفية تبرز تاريخ المدينة والحروب التي مرت بها، ويحكي كيف أنه أصبح مواطنا لـ5 بلدان تنقلت سراييفو بينها في هذه العقود في فيلم “ما اسم هذه الدولة الآن؟” للمخرج الأميركي جوزيف بيرسون الذي يعرض في مهرجان سراييفو السينمائي الدولي هذا العام 2022.

الفيلم مستوحى من قصة حقيقية للصحفية البوسنية عايدة شيركيز التي عاشت ظروفا إنسانية صعبة في سنوات الحصار في سراييفو مع ابنها الرضيع ووالدتها، وهو أطول حصار في التاريخ استمر 4 سنوات من 1992 إلى 1996. وتحاول فيه الصحفية أن تفهم جذور الصراع في البلقان من خلال مشاهدات هذه الكهل الذي يكشف لها عن تاريخ الصراع في المدينة من منظور مشاهداته الشخصية، ويسألها بعد اندلاع الحرب بسنتين عام 1994 سؤالا ذا دلالة: من الذي يقاتل من الآن؟

تعدّ تجربة مهرجان سراييفو السينمائي الدولي تجربة فريدة لا تنفصل عن حرب البوسنة والهرسك لأنه نشأ أصلا في خضم هذه الحرب لإحياء الثقافة والفنون داخل المدينة المحاصرة وقتئذ، إذ قرر مجموعة من الفنانين والمثقفين في مركز “أوبالا” للفنون إطلاق هذا المهرجان عام 1995 قبل نهاية الحرب من أجل إعادة بناء المجتمع المدني البوسني.

يأتي عرض الفيلم ضمن برنامج فريد في المهرجان تحت عنوان “التعامل مع الماضي” وهي أفلام إما مبنية من أحداث حقيقية أو تتناول تأثير صدمات الماضي في التجارب الشخصية للأفراد. من هذه الأفلام فيلم “على طول الطريق” للمخرجة الهولندية ميكا دي يونج الذي يعرض قصة شقيقتين توأم من أفغانستان تبلغان من العمر 19 عاما وتفقدان عائلتهما على الحدود الإيرانية التركية، تضطر الفتاتان إلى مواجهة عالم المهربين وتجار المخدرات وتحاولان العيش والصمود أمام كل هذه التحديات. ويعود المخرج البوسني ألين سيميتش في فيلمه “بي فور” إلى المكان الذي شهد مقتل والديه أثناء الحرب، وهناك يلتقي الرجل الذي أنقذ حياته قبل 26 عاما.

وتعدّ تجربة مهرجان سراييفو السينمائي الدولي تجربة فريدة لا تنفصل عن حرب البوسنة والهرسك لأنه نشأ أصلا في خضم هذه الحرب لإحياء الثقافة والفنون داخل المدينة المحاصرة وقتئذ، إذ قرر مجموعة من الفنانين والمثقفين في مركز “أوبالا” للفنون إطلاق هذا المهرجان عام 1995 قبل نهاية الحرب من أجل إعادة بناء المجتمع المدني البوسني وتأكيد الطابع العالمي للمدينة، واستمر حتى الآن على مدار 28 عاما، ويقصده نحو 100 ألف شخص، وهو منصة فنية تستهدف دول جنوب شرق أوروبا التي تشمل بالإضافة إلى دول البلقان تركيا وأوكرانيا واليونان ومالطة وجورجيا وقبرص والمجر وأذربيجان.

انطلقت في العاصمة البوسنية، الجمعة، فعاليات مهرجان “سراييفو السينمائي” في نسخته الـ28. (وكالة الأناضول)

قضايا البلقان

رغم أن المهرجان يضم أفلاما لموضوعات متنوعة من بلدان مختلفة، فإن اللافت هو أنه أصبح مقصدا لكثير من المخرجين والأفلام التي تعبّر عن أزمات دول البلقان التي ما فتئت تخرج من حرب وأزمة حتى تدخل أخرى في التاريخ الحديث. ففيلم “الركاب” للمخرج السلوفيني دومينيك مينجي، على سبيل المثال، يعرض قصة صديقين ينحدران من قرية صغيرة في سلوفينيا ويقرران خوض رحلة معا بالدرجات البخارية يعبران بها الحدود التي تفصل بين كرواتيا وسلوفينيا وكلتاهما استقلت عن يوغسلافيا السابقة للبحث عن الحب والحرية، وفكرة الحدود هنا ليست مجازا وحسب بل أزمة وقضية تشغل بال الجميع في دول البلقان.

فبعد استقلال كثير من هذه الدول لم يكن الأمر مجرد رسم حدود جديدة، بل طفا على السطح صراع الهويات الثقافية الجديدة التي تريد التعبير عن نفسها مع تلك التي تشعر بالحنين للدولة الواحدة الكبرى المتعددة الثقافات، لذلك فإن قصة الحدود هي موضوع لأفلام عديدة في دول البلقان المختلفة.

وفي داخل الدولة الواحدة من دول البلقان تتكرر القضايا ذاتها الخاصة بالحرب والحدود والذاكرة، ففي فيلم “الكسوف” في المهرجان تستخدم المخرجة الصربية ناتاشا أوربان فكرة ظاهرة كسوف الشمس الذي حلّ على أوروبا عام 1999 للتعبير عن الصدمة الجماعية التي أصابت المجتمع الصربي بسبب حروب يوغسلافيا السابقة. أما المخرج الصربي ستيفان أرسينجيفيتش فيتناول قضية الهجرة واللجوء من زاوية دول الممر أو العبور، إذ تعدّ صربيا من هذه الدول التي يقصدها اللاجئون في طريقهم إلى دول الاتحاد الأوربي.

وفي فيلمه “أبعد ما يمكنني السير إليه”، يتناول قصة مهاجر من غانا حاول العبور إلى إحدى دول الاتحاد فانتهى به المطاف في أحد مخيمات اللاجئين في العاصمة الصربية (بلغراد)، ليكتشف أن صربيا ليست خيارا سيئا له، فيقرر أن يستقر فيها ويتعلم اللغة ويأمل اختياره ضمن فريق محلي لكرة القدم.

تمثل اختيارات هذه الأفلام والموضوعات إحدى الوسائل للتقارب الفني بين شعوب البلقان وعرض ثقافتها وقضاياها بعيدا عن الاستقطابات السياسية وصراع الهويات، وهي استقطابات لم تنته بانتهاء حروب البلقان في التسعينيات من القرن الماضي، إذ لا تزال تراوح مكانها صعودا وهبوطا مثل التوترات التي تندلع بين فينة وأخرى إما داخل الدولة الواحدة في البلقان كما يحدث أخيرا بين الصرب والمسلمين في البوسنة والهرسك أو كما حدث في الأزمة الحدودية بين كوسوفو وصربيا في الأسابيع الأخيرة. وفضلا عن عروض الأفلام، يستضيف المهرجان برامج أخرى تستهدف تعزيز ثقافة الحوار والتسامح بين شباب البلقان كاستضافة 30 شابا من دول غرب البلقان ضمن برنامج “بعيون الشباب” الذي يضم جلسات وحلقات نقاشية وندوات عن المصالحة والسلام وهو برنامج مدعوم من مجموعة منظمات محلية ودولية.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى