منوعات

ألفريد هيتشكوك.. سيد الظلال الذي يكره أفلام رعاة البقر | فن

تكمن المفارقة فيما يتعلق بالمخرج ألفريد هيتشكوك في ذلك النبذ الواضح لأعماله والتعالي عليها من قبل النقاد في إنجلترا التي هي بلد مولده، بينما تعرض للسخرية في الولايات المتحدة؛ وهي البلد الذي حصل على جنسيته، حتى جاء المخرج والرائد السينمائي الفرنسي “فرانسوا تروفو” ليزيل سوء التفاهم الذي حرم هيتشكوك من التقدير لسنوات طويلة، وبقيت أعمال الرجل -الذي مات عام 1980- حاضرة وهي التي انحاز الجمهور لها منذ اللحظات الأولى، وأصبحت أفلامه ملهمة لأجيال من المخرجين بعده.

وكان مضمون المفارقة الدائم هو تلك التقنية السابقة التي أبدع من خلالها هيتشكوك واستخدمها في رواية قصصه وذلك المضمون الذي رأى النقاد أنه لا يحمل بعدا رساليا، فهي مجرد أفلام رعب وتشويق وإثارة من دون رسالة تتجاوز محتوى العمل نفسه إلى خارجه.

وتميز المخرج الذي ولد بلندن في 13 أغسطس/آب عام 1899 بالبساطة، خاصة فيما يتعلق بمضمون أعماله التي بلغت نحو 53 فيلما قدمها عبر 60 عاما في مشواره المهني الذي انتهى برحيله في أبريل/نيسان 1980. واستطاع هيتشكوك أن يحول الفيلم إلى رسالة مستقلة بذاتها وأن يحول التشويق والإثارة والرعب في أعماله إلى مساحات آمنة من الخوف يستطيع مشاهدوه بعدها احتمال أي رعب قادم من الحياة الحقيقية.

ولم يكن هيتشكوك يميل إلى تلك الأفلام الاستعراضية والتاريخية أو التي تتضمن أزياء خاصة لأزمنة محددة، حتى إنه صرح في لقاء تلفزيوني حين سأله المذيع عن أفلام رعاة البقر أو “الكاوبوي” قائلا “أراها مجرد عروض أزياء.. أنا لا أميل لهذا النوع من الأفلام”.

هيتشكوك الذي استحق الوصف بـ”سيد الظلال” قدم أعظم مشاهده وأكثرها تشويقا ورعبا في أجواء الشك والإضاءة الخافتة والظلام، حيث ترتكب الجرائم أو يعيش البطل لحظات الشك وانعدام اليقين، وتجلى ذلك واضحا في فيلم “سايكو”، حيث الفندق البعيد عن المدينة والمنزل المجاور أو مكان ارتكاب الجريمة الذي لم تتم إضاءته بشكل واضح سوى مع الكشف عن الحقائق المتعلقة بالبطل وجرائمه في نهاية العمل.

الملهم

تحول اسم هيتشكوك إلى القاسم المشترك الأعظم بين إجابات أغلب مخرجي الأجيال التالية له عن سؤال من هو المخرج الذي تتعلم منه؟ ذلك أن هيتشكوك بسنواته الـ60 في السينما صنع مدرسة في التقنية المتعلقة بالقصص والتشويق، وظل الرجل في أفلامه يلعب بفكرة الشك وقليلا ما يقدم إجابة شافية في نهاية فيلمه حول ذلك الشك، وظل أيضا يلعب -عبر المونتاج- بصيغة إخفاء جزء من المعلومات عن الحدث أو البطل، ومن ثم يظهرها في لحظة درامية، فتنطلق الصرخات وصيحات الإعجاب في صالات العرض.

أما عبقريته الأكثر تأثيرا فكانت تلك القدرة المدهشة التي بثها في صوره المتحركة لتحكي القصة بدون حاجة للحوار الذي أصبح ثانويا إلى حد كبير؛ فجسد بلاغة الصورة وقدرتها على إخبار القصص.

ولعل أفلام مثل “سيكو” و”فيرتيجو” و”الرجل الذي يعرف أكثر من اللازم” قد نالت من الشهرة ما لم ينله ألفريد هيتشكوك نفسه، وفي بعضها نال عدد من المشاهد ما فاق شهرة الفيلم وخاصة مشهد القتل المعروف في فيلم “سيكو” والذي لم يلمس خلاله السكين جسد الضحية ولا شوهدت خلاله نقطة دم وإنما كان التعبير بالوجه فقط.

حياة عادية

يغلب على المتفوقين في إبراز تيمة مثل الرعب أو الغضب أو الحب في أفلامهم؛ التصاقُ ذلك المعنى بعقولهم ومشاعرهم كنتيجة لأحداث حياتية عاشوها، لكن هيتشكوك عاش حياة هادئة في طفولته، حيث ولد لأسرة مستقرة في لندن واستقر في وظيفة قبل أن يبلغ الـ20 سنة، وانطلق في محاولات لتقديم أفلام سينمائية في الـ22 من عمره.

وسبق الجمهورُ نقادَ السينما في التفاعل والإقبال على أفلام هيتشكوك لأسباب موضوعية، حيث استخدم الكاميرا باعتبارها عين المشاهد، وتَصوّر حركة المشاهد نفسه وتنقلاته البصرية لمعرفة الحدث ومراقبته، ومن ثم جعل المشاهد “يتلصص” على الشخصيات والأحداث داخل الفيلم، ما جعل ذلك المشاهد جزءا من سينما هيتشكوك، لكن المخرج الماهر استطاع أيضا أن يخفي ما يريد ليحدث التأثير الذي يريده على الجمهور.

وفي لقاء تلفزيوني يشرح هيتشكوك الفارق بين الصدمة والتشويق قائلا إن الصدمة هي أن يفاجأ الجمهور بانفجار قنبلة بينما يجتمع البطل بزملائه في العمل مثلا، لكن التشويق أن يعرف الجمهور بوجود القنبلة التي هي على وشك الانفجار، ففي هذه الحالة يريد كل فرد في الجمهور تحذير بطله من القنبلة.

هيتشكوك وتروفو

هاجر المخرج الإنجليزي إلى هوليود 1939 وأصبح مواطنا أميركيا عام 1955، لكنه لم يكن يحظى بالتقدير الذي يرضيه في إنجلترا، ولم يجد سوى الاستخفاف والسخرية من النقاد في وطنه الجديد.

ولكن أجرى المخرج والكاتب والناقد الفرنسي فرانسوا تروفو حوارا مع هيتشكوك لأسبوع كامل احتوى على 500 سؤال، وعمل على المادة مدة 4 أعوام كاملة ثم أصدر عنه كتابا يحوي الحوار تحت اسم “هيتشكوك-تروفو”، واحتوى الكتاب على تناول شامل لجميع أفلام هيتشكوك، بالإضافة إلى شرح كامل من قبل هيتشكوك لفهمه للجريمة وللفيلم أيضا، وقد تحول الكتاب نفسه إلى فيلم وثائقي.

وكان للكتاب فعل السحر؛ إذ كان المحطة الرئيسية لفك الاشتباك بين النقاد وأفلام هيتشكوك، وبدأت محاولات جديدة لإعادة مشاهدتها طبقا لما أشار إليه تروفو من عبقرية لا تضاهى في التقنية وأسلوب السرد السينمائي، وهو المسار الذي أدى في النهاية إلى حصول هيتشكوك على جائزة الأوسكار الفخرية عام 1968عن مجمل أعماله، لكنه لم يفز بجائزة أوسكار حقيقية رغم ترشحه 5 مرات.

محطات سينمائية

وقدم هيتشكوك عددا من الأفلام في بداية عمله بينها “حدائق السعادة” (The pleasure Gardens) 1925، وكان أول الأفلام التي لفتت الأنظار إليه كمخرج. وقد فقدت نسخ الفيلم وسئل عنه في أحد حواراته التلفزيونية فرد قائلا “أنا سعيد لأنه كان سيئا”.

وفي فيلمه “اشتباه” (Suspicion) 1941؛ يبدأ مرحلة جديدة من التكثيف والاقتراب من النماذج البوليسية المعتادة في الأدب البوليسي الذي كان منتشرا في أوروبا وأميركا في النصف الأول من القرن الـ20، وتدور أحداث فيلمه الجديد حول “جوني إيس غارث” المقامر الوسيم الذي يلتقي الفتاة الخجولة “لينا ماك ليدلو” في القطار أثناء محاولته السفر بسيارة من الدرجة الأولى وبتذكرة من الدرجة الثالثة. وينسج خيوطه حول الفتاة، وسرعان ما يتزوجا. ولم تكتشف شخصيته الحقيقية إلا بعد شهر العسل، وبدأت في الشك عندما قُتل “بيكي” صديق جوني وشريكه التجاري في ظروف غامضة.

سايكو

ويبقى فيلم “سايكو” (Psycho) عام 1960؛ هو الأبرز في مسيرة سيد التشويق في السينما، حيث كان بمثابة استعادة للمشاهد من أمام شاشة التلفزيون بعد أن كان قد بدأ يفضل الشاشة الصغيرة التي بدأت في جذب الجمهور.

وكان ألفريد هيتشكوك يدرك الأمر، وقد قبل التحدي خاصة أنه شهد إغلاق أكثر من شركة للإنتاج السينمائي، فقرر استخدام الحد الأدنى المتاح كميزانية للعمل، وما إن عُرض الفيلم حتى أقبل الجمهور مرة ثانية على دور العرض.

وتدور أحداث فيلم “سايكو” حول ماريون كرين التي سئمت من العمل كموظفة مكتب ومن عدم قدرتها على إتمام زواجها من خطيبها؛ فتسرق 40 ألف دولار مملوكة لأحد عملاء المكتب. تغادر ماريون المدينة وتتجه نحو بلدة بعيدة وتقرر أن تأخذ قسطا من الراحة في فندق متواضع يقع على الطريق، ويديره شاب هادئ يدعى نورمان ويبدو أن والدته تهيمن عليه.

واستطاع ألفريد هيتشكوك أن يبهر الجمهور والسينمائيين أيضا بفيلم “الطيور” (Birds) 1963 الذي تفوق خلاله على نفسه، حيث قدم الرعب بهدوء شديد ووصل بالمشاهد إلى ذروة التوتر بينما يدور المشهد في هدوء تام.

ويدور فيلم الطيور حول أحد الأثرياء في سان فرانسيسكو يلاحق صديقا له إلى بلدة صغيرة في شمال كاليفورنيا، لكن الأحداث تأخذ منعطفا ببطء نحو كارثة من نوع خاص عندما تبدأ الطيور من جميع الأنواع فجأة بمهاجمة الناس.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى