منوعات

الحياة بين العبقرية و”فريضة” الوعي | آراء

ستنتهي الحياة فجأة بلا اختيار منا كما جئناها بلا “وعي” ولا إرادة، وما بين الميلاد ومغادرة الحياة نستطيع احتضان الوعي أو تجاهله ودفع الثمن الباهظ.

وكأي كشاف ينير الطريق للعابرين؛ نجد معظم عباقرة الآداب والفنون يلفتون أنظارنا إلى الجمال في النفس والكون وعند بعض البشر، ويحرصون على إمدادنا بالحكمة اللازمة للتعامل مع الدنيا حتى لا نكون مفعولا بنا، ويزيدون مساحات الوعي وبراحه في القلوب والعقول.

يقول إميل سيوران “نحن لا نعيش إلا في غياب المعرفة، ما إن نعرف حتى نكفّ عن التوافق مع أي شيء”. والحقيقة أنني أختلف مع مقولته بشدة؛ فالوعي والمعرفة “فريضة” لنكون بشرًا لا أشياء، والتوافق مع الواقع ليس أمرا مطلوبا دائما أو يستحق السعي للوصول إليه على الدوام، فكثيرا ما يكون انسحابًا من الحياة وطلبًا للأمان المزعوم بالسير وراء القطيع، وصدق بودلير إذ يقول “هناك من لا يستطيع أن يلهو إلا وهو في القطيع”.

 البطل الحقيقي يلهو وحيدا

الوعي كالنور الداخلي نحن من نضيئه ومن نطفئه، وكأي نور يخفت أحيانا فقد نغير المصباح لنزيد كفاءته ودرجة الإنارة وفقا لما نريده. الوعي لا يعني اليقظة الذهنية الدائمة؛ فهي تستنزف العقل وتنهك النفس وترهق القلب وتجعل الإنسان أكثر عرضة لتصرفات تخاصم الوعي.

حدث ذلك للعبقري فان غوخ فتسبّب في إيذاء نفسه بالمبالغة بالتألم من خذلان جوجان وغيره ومن مضايقات الأوغاد، ولو “وعى” تفرّده وأنه أغلى وأهم من إضاعة ثانية بالالتفات إليهم لما أوقع نفسه بالمرض النفسي، ولوضع فلاتر نفسية تمنع المبالغة بامتصاص الألم سواء الشخصي منه أو معاناة الآخرين كعمال المناجم الذين رسمهم وغيرهم، ولو “وعى” أن الألم جزء من الحياة لا بد أن نواجهه لربما استطاع النجاة. نحن لسنا في الجنة ولكننا مع الألم أيضا، لسنا في الجحيم وبداخل كل حياة منا جنته الخاصة يلجأ إليها متى رغب بشدة.

صدق العبقري دوستويفسكي في قوله “أحلف لكم بمغلظ الأيمان أيها السادة أن الإسراف في إدراك الأشياء والشعور بها مرض.. مرض حقيقي.. مرض كامل”.

من وعي نجيب محفوظ رفضه محاولات استدراجه إلى معارك من قبل بعض من كانوا يحضرون ندواته ويهاجمونه سعيا للشهرة، فكان يضيع عليهم الفرصة ويتجاهلهم، وكان واعيا فاستثمر وقته في الإبداع ولم يهدره بالرد على من يحاولون التقليل منه، واستفاد بعمره وأطفأ أدخنتهم بالتجاهل ولم يشعلها بالرد. وكيف لا يفعل ذلك؟ وهو القائل “لا تغال في المثالية حتى لا تموت من التقزز”.

ويتفق معه كافكا إذ يقول “إذا كان هناك ما هو أشد خطورة من الإفراط في المخدرات من دون شك فهو الإفراط في الوعي وإدراك الأشياء”؛ فالاستنفار بسبب الوعي الزائد كوضع الجيوش في حالة استعداد قصوى معظم الوقت يجعل معنوياتها تتحطم وينهكها، وعندما يحين وقت الحرب الحقيقية تكون مجهدة ومستنزفه فتهزم نفسها.

بعض الكتّاب والممثلين الذين كتبوا ومثلوا أدوارا تحذر من الخضوع لفاتنة تغوي الرجل وتستولي على أمواله وقعوا في الفخ الذي حذّروا منه، لأنهم قرروا تعطيل وعيهم لشدة رغبتهم. فالرغبة الزائدة تعمي وتعطل وتتسبب بإلحاق الأذى، وكلما تأخرنا في كبحها أطاحت بصاحبها، كالمكابح بالسيارة من يتأخر في استخدامها يلقي بنفسه في حادثة قد تكلفه حياته.

نجا دوستويفسكي من محاولة استغلال من ناشر لوعيه بأنه لا يعيش مع ملائكة؛ فقد وضع الناشر شرطًا تعجيزيًّا لدوستويفسكي لإنهاء رواية في وقت قياسي وإلا تعرض لشروط جزائية ظالمة. قبل دوستويفسكي لاضطراره المادي، وقسم وقته بصعوبة شديدة، وفي الوقت المحدد اختفى الناشر حتى لا يتسلم الرواية، فذهب دوستويفسكي إلى الشرطة وقام بتسليمها.

ذكر محمد العزبي الصحفي المصري في كتابه “هل يدخل الصحفيون الجنة؟” أن موسى صبري الصحفي البارز أيام حكم السادات والمقرب منه قال في أيامه الأخيرة “الآن أفكر بأننا خُدعنا جميعا خدعة كبرى، وأن المتصارعين من أجل السلطة قد استخدمونا لمصالحهم أسوأ استخدام”.

لا أحد يتعرض للخداع طويلًا إلا بإرادته وباختياره تجاهل العلامات التي تنبهه للخداع؛ فيبررها أو يرفضها انتصارًا لاعتزازه بنفسه وبأن مثله لن يُخدع أبدا، والمؤكد أن الجميع معرضون للخداع في أي عمر.

ألف باء الوعي توزيع مصادر الأخبار، وعدم منح أحد الثقة المفرطة، وجعل عقولنا رهينة لديه. نجا العبقري الرائع نجيب محفوظ من ذلك؛ فكان شديد الالتصاق بالناس دوما حتى عندما ضعف بصره وسمعه، كان يعقد لقاءات مع مجموعات تتغير كل أسبوع حتى لا يتأثر بآراء معينة وليعطي لوعيه الفرصة في المراجعة والفلترة وذلك ما يغيب عن كثيرين. حافظ نجيب على وعيه حتى آخر حياته، إذ تعرض لغيبوبة وعندما أفاق منها سأل عن أخبار لبنان الذي كان يتعرض لغزو عندئذ. وكذلك من مكونات الوعي المهمة عدم الانغلاق على الذات.

من وعي نجيب محفوظ رفضه محاولات استدراجه إلى معارك من قبل بعض من كانوا يحضرون ندواته ويهاجمونه سعيا للشهرة، فكان يضيع عليهم الفرصة ويتجاهلهم، وكان واعيا فاستثمر وقته في الإبداع ولم يهدره بالرد على من يحاولون التقليل منه، واستفاد بعمره وأطفأ أدخنتهم بالتجاهل ولم يشعلها بالرد. وكيف لا يفعل ذلك؟ وهو القائل “لا تغال في المثالية حتى لا تموت من التقزز”.

سقط العبقري النبيل تشيخوف في ما حذر منه صديقته التي كتب لها “لا تأخذي الأمور بجدية بالغة، فالحياة أبسط مما تتخيلين بكثير”؛ وألقى بنفسه تحت سطوة مشاعره المرهفة، فأجهد جسده المريض وأنهكه.

كذلك فعل هيمنغواي الذي أطلق على نفسه الرصاص، وجوجول الذي انتحر بأسلوب مختلف؛ فاختار إهانة وعيه وخضع لادّعاء راهب بأن ما يكتبه خطيئة فأحرق بعض مخطوطاته وقرر الاستسلام الذي قاده إلى الاكتئاب ثم الموت كمدا. ولو أراد لتشبّث بوعيه وبأن كتاباته فضحت الزيف؛ وفضحه فضيلة تستحق الاستمرار والعيش.

كذلك تسبّبت مخاصمة كل من فرويد وكارل يونغ للقدر الكافي من الوعي ليس في إفساد صداقتهما فقط، وكلاهما من عباقرة الطب النفسي، بل في حرمان العالم من ثمار تعاونهما العلمي معا؛ فلم يحرص أي منهما على منح الآخر ما يرضيه من إشعاره بمكانته، فأصرّ فرويد على أداء دور الأستاذ ولم يمنح يونغ الشعور بأنه يقدّر تفرّده وتميزه، كذلك رفض يونغ إعطاء فرويد مكانته التي يستحقها كرائد حقيقي بالطب النفسي.

افتقدا معا درجة من الوعي الذي يخبرنا بأهمية ترتيب الأولويات، والثابت تاريخيا أن كلا منهما كان يعتز بهذه الصداقة، ولكن غياب القدر الجيد من الوعي تسبب بإنهائها ونسف فرص التعاون العلمي بينهما.

يتجاوز الوعي الإدراك، ولا بد أن يضم إليه الجرأة في مواجهة النفس بما لا ترغبه، ليس للانحناء أو الاندفاع ولكن للمواجهة بتروّ وحكمة.

ومن أعداء الوعي رفض رؤية ما نكره، وتبرير الخيانات، وتزيين التراجعات. ينبهنا نيتشه، فيقول “حين تطيل النظر إلى الهاوية تنظر الهاوية إليك أيضا وتنفُذ فيك”.

كان وعي طفل بالسابعة رائعا؛ كان يشكو لي باكيًا كلامًا يقوله أقرانه له لمضايقته، فقلت له “أتعرف المثل الرائع: اسمع بأذن وأخرج ما سمعت من الأذن الثانية؟”، بسرعة مسح دموعه وابتسم، ونهض قائلا “ولماذا أسمع؟”.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى