منوعات

الروائي الجزائري سمير قسيمي: أكتب للمتعة ولا يشغلني القارئ وتصنيف الأدب ليس مهمتي | ثقافة

يعدّ الكاتب الجزائري سمير قسيمي (1974) واحدا من أبرز الروائيين الجزائريين الجدد، وتنحاز أعماله للتجريب وتتمرد على سلطة النموذج الروائي التقليدي، ويلاحظ عليه انشغاله بأسئلة الإنسان، ومن ثم جنحت هذه الأعمال إلى توظيف الفلسفة المرتبطة بأسئلة ذات طابع وجودي، مثل سؤال الموت والحياة.

في هذا الحوار، يقول سمير قسيمي إن الرواية الجزائرية ليست حاضرة في المشهد الثقافي العربي بالشكل الذي نحب، واصفا النقد العربي بـ”الظالم”.

ولقسيمي 9 روايات منشورة، منها: “الحالم”، و”يوم رائع للموت”، و”هلابيل”، و”حب في خريف مائل”، و”في عشق امرأة عاقر”، و”تصريح بضياع”، و”الحماقة كما لم يروها أحد”، و”سلالم ترولار”، وتغوص هذه الروايات في هموم المهمشين، والواقع السياسي الضبابي في عالمنا العربي عامة وبلده الجزائر خاصة.

يطرح في روايته “في عشق امرأة عاقر” إشكالية العلاقة بين المواطن والوطن والسلطة الحاكمة. وعُدّت روايته “تصريح بضياع” أول رواية جزائرية تتناول السجن بكل تلك التفاصيل، لسجن الحراش الجزائري ونزلائه، رغم أن قسيمي يرفض تصنيفها ضمن “أدب السجون”.

وتشتغل رواية “الحالم” على سؤال، بقدر ما نظن أن إجابته سهلة، بقدر ما نكتشف صعوبتها، وهو: هل يستحق الحلم أن نضحي لأجله بكل شيء؟ وتحاول الرواية الإجابة عن هذا السؤال جوابا يجمع بين الغرائبية والواقع.

يكتب قسيمي في أي وقت، فلا يملك طقوسا خاصة بالكتابة، وإن كان من أولوياته بذل جهده لتقديم كتابة ممتعة تستحق مال ووقت القارئ.

في هذا الحوار، يتحدث سمير قسيمي عن رواياته، وعن الرواية بشكل عام، وعن الناقد والنقد والكتابة.

  • صرّحتَ في أكثر من حوار بأنك تكتب للمتعة، وبأنك ربما تكتب قمعا لشعورك بعدم الرضا في كل مرّة تصدر فيها عملا. بعد كل هذه الردود، أما زالت هذه الأجوبة قائمة؟

كل ما صرّحت به صحيح بنحوٍ ما، على الأقلّ كان الأمر صحيحا حين صرّحت به، فالكتابة ليست علما دقيقا يمكن للواحد منّا الادعاء أنه يعرف الأجوبة أو لا يعرفها بناء على خبرته أو تمكنه منها، ففي الحقيقة كلّما تقدمتُ في السنّ تنتابني مشاعر غريبة تتقاطع كلها مع الشكّ، ليس الشك فيما أكتب أو كتبت، بل الشك في جدوى الكتابة، والريبة في قدرتي على الاستمرار فيها.

أعتقد أن لهذا الشك علاقة أيضا بالمحيط الذي نكتب فيه وعنه. بالطبع لا أستطيع الحديث بلسان غيري، لكنني لم أعد أؤمن بوجود أيّ متعة في الكتابة، إنه عمل شاق لا يترتب عنه أي مقابل في مستواه، بل صرت أعتقد أنه صنعة بقدر ما يجيدها صاحبها بقدر ما يزداد تواضعه أمامها ليعترف أنه لم يضف شيئا يستحق العمر الذي قضاه فيها.

الآن بعد أزيد من عقد ونصف العقد من الكتابة، وبعد نحو عشر روايات، بمقدوري أن أقول إنني لا أكتب بحثا عن أي شيء، حتى نفسي لا أبحث عنها من خلال رواياتي، فالعقل الذي مُنحتُه لا يجعلني ساذجا لدرجة أن أتصوّر الكتابة بحثا عن الذات، ثم أي ذات نجرؤ على البحث عنها في مجتمع لا يسمح باستقلالها أو باختلافها عنه؟

رواية “سلالم ترولار” تصنع واقعا موازيا من ملحمة ساخرة تواجه السياسة (الجزيرة)
  • لماذا تكتب إذن؟

ربّما لأنني وعدت أمّي صغيرا أن أكون متميّزا عن جميع إخوتي، وقد حاولت الوفاء بوعدي، لكن يبدو أنني لم أنجح على النحو الذي يعنيه التميّز بالطبع، فقد عشتُ طفولة مرهقة بالكاد أذكر عنها شيئا، وكل ما أذكره منها مشهدان أو ثلاثة شطبت منها متعمّدا كل الوجوه إلا وجه أمي.

أذكر اليوم الذي شرعت فيه في كتابة روايتي الأولى “تصريح بضياع”، وقرّرت بعد السطر الأول أن أمنح لهذا الوجه مساحة يستحقها، ولكنني لم أستطع، ثم كررت المحاولة في رواية “الحالم” ولم أنجح.

فقد كنت مشدوها بفكرتين تستمران في السيطرة عليّ كلما حاولت أن أكتب شيئا: الموت والفشل. الآن وبعد 9 روايات منشورة وواحدة تنتظر أن أقرر نشرها، يمكنني الاعتراف بأنهما فكرة واحدة تتماهى معي على نحو مقرف، لتجعلني أقرّ بأنني أكتب فقط كسبا للوقت، بغاية التوهم بأنني على قيد الحياة أو أنني لم أفشل بعد.

  • لكن أعمالك لا تتناول الموت فقط على غرار “يوم رائع للموت”، ففي “تصريح بضياع” تناولت السجن في أول رواية جزائرية تتناول الحياة في السجون، وفي “هلابيل” نسجت تاريخا موازيا للشعوب المهمشة بأن جعلتها من نسل شقيق وهمي (مهمش) لقابيل وهابيل، وفي “عشق امرأة عاقر” تناولت الاغتصاب، ليس كواقع جسدي فحسب، بل أيضا كحالة ذهنية يعيشها المجتمع المهمّش؟

صحيح بلا شك، ولكنك لن تجدي رواية واحدة تمكنت فيها من التخلص من فكرتي الفشل والموت، بل هما بالإضافة للصدفة أكثر ما يصنع حبل السرد في جميع أعمالي.

3 55
رواية “في عشق امرأة عاقر” تحكي عن مقت “الوطن الإجباري” (الجزيرة)

على الأقل، هذا ما أراه كلما قرأت أعمالي السابقة، وقد يكون الاستثناء الوحيد هو رواية “حب في خريف مائل” التي بقدر ما ظلمها النقد العربي عبر تجاهلها أو وصفها بالرواية الجنسية، بقدر ما أحسن إليها النقد الغربي بعد أن ترجمت إلى الفرنسية وتمكن ناقدوها من إدراك الغاية من توظيف الجنس فيها، ليعود بغرابة نفس النقد العربي إلى مدحها مجددا بعد أن ذمها.

  • على ذكر روايتك “حبّ في خريف مائل”، فقد تناولت قضايا مثل الحب والجنس، الإيمان والإلحاد، السياسة والتاريخ، الموت والفناء، عزلة الإنسان في عالم اليوم. من خلال هذه الإشارات، ما الفكرة التي كنت تريد إيصالها للقارئ لحظة الكتابة؟

هي الفكرة ذاتها التي نحاول القبض عليها في الحياة، لكِ أن تقولي رغبة حمقاء للإحاطة بسؤال يؤرقنا جميعا: “لماذا نحن هنا؟”، على هذه الأرض بالذات، في هذا العصر دون سواه؟ هل حقا ليختبرنا الله ونعبده، أم لنترك أثرا ما، أم وجودنا مجرّد هباء لا غاية منه غير الوجود بحدّ ذاته؟

أدرك أن الديانات السماوية وغيرها من الفلسفات الأرضية التي تسمى ديانات، تمنحنا أكثر من جواب، بل بعضها يحرّم مثل هذه الأسئلة، لكنني أعتقد أنها أسئلة تراود كل واحد فينا.

هناك شعور لذيذ ينتاب كل واحد في هذه الأرض، ولو للحظات قليلة ونادرة في وجوده، يجعله يتصور أنه محور العالم، وهو شعور وددت لو راودنا كل حياتنا، فعلى الأقل تصبح الغاية من الوجود مفصولا فيها، لكنه للأسف شعور مؤقت غير حقيقي، إلا في السياق الذي أردته من الرواية، وهو أن الغاية من وجود أي واحد منا ليست إلا أن يجد سبيلا ليصبح محور وجود شخص آخر.

ولم أجد -بعد تفكير وتأمل طويلين- إلا “الحبّ” ليكون سبب هذا التصور أو الشعور، لهذا اخترت شخصيتين في أواخر عمرهما تتجادلان حول فكرة: “هل للحب عمر محدد، أم يمكن أن يقع في الحب ويعيشه الإنسان في أي عمر؟”.

للأسف اكتشفت بعد صدور الرواية وما لحقها من أذى بسبب المشهد الجنسي في أول فصل، أننا غير مستعدين لمثل هذه المحاورة الفكرية والتأملية في سردنا العربي، فالتنميط الذي تعيشه الرواية العربية، ولعبت الدور الرئيس في تشكيله منظومة الجوائز، وما انجر عنها من مساس خطير بالذائقة الأدبية، جعلنا نشهد أنواعا هجينة من الكتابة السردية على غرار الرواية اللغوية، وأيضا ما يطلق عليه “الرواية المؤخلقة”، دون أن ننسى ما نسميه مغالطة “الرواية التاريخية” وهي ليست كذلك، ما دامت لا تعتمد على خيال الكاتب وتوظيفه للتاريخ، بل على إقحام التاريخ حدثا بحدث في قالب مجهز من قبل، وهو أمر للأسف تشجعه بعض دور النشر المشكلة “للوبيات” جوائز بعينها.

الجميع يذكر تلك المهزلة التي حدثت في إحدى الجوائز العربية المدعية وصف العالمية، حين تم رفض كل رواية غير تاريخية لا تتناول بشكل ما ذمّ الأتراك، لأسباب ودواع لا تستحق جهد التفصيل فيها.

  • أي من كتبك لك معه علاقة وثيقة؟

لا يوجد، فقط النص الذي أكون بصدد كتابته، وبمجرد طبعه وصدوره تنقطع هذه العلاقة.

  • في روايتك “الحماقة كما لم يروها أحد”، نلاحظ أنك صنعت عالما سوداويا، قدّمت من خلاله نقدا شديدا لواقعنا العربي. كثيرًا ما تدفع الأحداث السياسية والاجتماعية المثقف لأخذ مواقف أخلاقية. فما مدى أثرها على الواقع؟

تدخل “الحماقة كما لم يروِها أحد” في إطار مشروع أنهيته معها، بدأته بـ”سلالم ترولار” ليشكل مع “الحماقة كما لم يروها أحد” -لكونها تتضمن روايتين: “حماقات دوق دي كار”، و”الأحمق يقرأ دائما”- ثلاثية تقع أحداثها في الجزائر العاصمة في 3 شوارع شعبية لصيقة: ترولار، ودوق دي كار، وشارع الدكتور سعدان.

وهي ثلاثية تتناول العبث السياسي والتاريخي والاجتماعي الذي عاشته وتعيشه الجزائر وكذا العالم العربي. لكن ومرة أخرى لا تشعر أن لدى الناقد العربي أي رغبة في تلقي الواقع كما هو بقسوته وظلمه وتابوهاته ولا أخلاقيته أيضا، وليس كما يريده هو، واقعا يتم تجميله بنحو ما، كما لا توجد لديه أي قدرة على تبني أعمال تجريبية خارجة عن المألوف.

لهذا سعدت كثيرا حين نالت رواية المصري طارق إمام ما نالته من شعبية حين تبناها القارئ بعفوية، وزادت سعادتي ببلوغها القائمة القصيرة للبوكر العربية، التي هي قائمة منذ إنشاء الجائزة تطرد منها كل عمل فريد بتجريبه.

هذه المرة فلتت رواية من هذا النوع إلى هذه القائمة، لكنني لن أكون متفائلا لأطمع أن الجائزة ستفتح أبوابها للكتابة المختلفة في دورات قادمة، إلا إذا أعيد التفكير في آلية اختيار المحكمين فيها.

3 copy 15
رواية “الحماقة كما لم يروها أحد” عمل ساخر يحفر في وجدان العبث وتقاطع فيها السياسي مع الاجتماعي (الجزيرة)
  • هل أردت من خلال رواية “الحماقة كما لم يروها أحد” تقديم الحياة في مشهد كبير يهتم بالإنسان وأزماته وإشكالاته وهواجسه؟

هذه غاية كبيرة لن يدعيها إلا كاتب نرجسي أو متوهم للعالمية، بل هدفي كان ما ذكرت من قبل، بالإضافة إلى كتابة رواية مختلفة وتحقق المتعة وقد تحقق الأمر.

وأعتقد أنه حين تصدر باللغة الفرنسية مترجمة قريبا لدى ناشري “أكت سود”، سلسلة سندباد، ستشغل النقد الحقيقي بنحو آخر، تماما كما حصل لرواية “يوم رائع للموت” و”حب في خريف مائل” حين ترجمتا.

هل لديك طقوسك الخاصة لحظة الكتابة؟

كانت لدي، ولكنني لم أستطع الاحتفاظ بها، يصعب على الكاتب الجزائري الاحتفاظ بأي شيء، لا يحتفظ بعمله ولا بأسرته، وأحيانا -وهو السائد- لا يحتفظ بمبادئه ومواقفه، فكيف يحتفظ بطقوسه؟

شخصيا، أولويتي أن أحتفظ بقدرتي على الكتابة الممتعة وبمواقفي التي وإن كلفتني ضياع عملي، فقد أكسبتني احترام ذاتي أكثر وأكثر واحترام قرائي لي، والأهم احترام زوجتي وأولادي، لهذا لا ضير إن فقدت أشياء لا معنى لها بعد موتي، محتفظا بما هو أهم كما قلت.

إلى أي مدى يشغلك القارئ؟

بصراحة لا يشغلني تماما، كل ما يشغلني هو نصي، إذ يكفي أن يكون جيدا ليعجب أي قارئ.

  • في رواياتك “تصريح بضياع”، و”يوم رائع للموت”، و”في عشق امرأة عاقر”، و”سلالم ترولار” إسقاطات واقعية على ما يحدث في بلدك. هل يمكن أن نسمّي الأحداث التي ترد في أعمالك تأريخا بقالب روائي؟

التصنيف ليس مهمتي، أنا روائي يكتب نصوصا فحسب، ولا يهمه منها إلا أن تستحق مال ووقت القارئ.

  • بشكل عام، كصحافي وروائي، كيف تقرأ حضور الرواية الجزائرية في المشهد الثقافي العربي؟

ليست حاضرة بالشكل والطريقة التي نحب، لكنني آمل أن يحدث ذلك قريبا.

  • ماذا يشغلك اليوم؟

ما شغلني ويشغلني دائما، أقصد الحياة ولا شيء غيرها.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى