منوعات

الروافد التراثية والشعر السياسي.. الباحث أحمد حافظ يتتبع تحولات القصيدة المصرية السياسية | ثقافة

في العقد الماضي ارتوت شوارع العالم العربي وحاراته بقصص الأصوات الهادرة وسقطت أنظمة حكم وقامت غيرها، وأثمر ذلك تغير في الوجدان العربي عامة والمبدع خاصة.

ومع تغير وسائل التلاقي بين منتج الأدب وقارئيه وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي تطورت أدوات تشكيل الصورة الفنية عامة وفي القلب منها كان الشعر السياسي الذي كان عنوانا للإنتاج الشعري إلى جانب أجناس السرد المتعددة.

وصدر حديثا -عن دار إي كتب للنشر البريطانية- كتاب “التكوين الفني.. الشعر السياسي في مصر” لمؤلفه أحمد حافظ، الباحث في الأدب العربي الحديث، متضمنا تأريخ لمرحلة مهمة من تاريخ الأدب المصري المعاصر، خاصة عند رصد الظواهر الفنية التي مر بها التكوين الفني للصورة الشعرية، إذ اشتملت تلك الحقبة على مدارس أدبية واتجاهات فكرية متعددة، أثرت فيها أحداث سياسية مفصلية منذ الحرب العالمية الأولى وحتى ما يعرف بعام النكسة.

وجاء الكتاب في ثلاثة فصول يسبقها تمهيد، فأما التمهيد فاختص بأمرين، أولهما تقديم مفهوم محدد وواضح للشعر السياسي، مع الاهتمام بإبراز علاقة الشعر بالسياسة، وأثر كل منهما على الآخر. وثانيهما الوقوف على أهم المحاور الموضوعية التي عالجها الشعراء في أشعارهم، مثل الحث على الثورة، وموقف الشعراء من الخلافة الإسلامية، ووصف الواقع السياسي، والمديح والرثاء.. إلخ.

الشاعر ومجتمعه

ويقول المؤلف إن “الشاعر ابن مجتمعه الذي نشأ فيه، وتكونت فيه روحه الشفيفة الحساسة تجاه أدق الأمور وتفاصيلها، ومن ثم يتكون لديه انفعال بالقضايا المحيطة به أكثر من غيره من أبناء هذا المجتمع، ولذلك تكون استجابة الشعراء لقضايا أمتهم وأوطانهم متأثرة بالأحداث السياسية المختلفة. هذه الأحداث هي التي تشكل التجارب الشعرية لدى هؤلاء الشعراء، وتمثل الدافع الفني الذي تقوم عليه الصور الفنية في بناء القصائد واختيار المعجم الشعري وحتى القالب الفني الذي يصبون فيه هذه التجربة الإبداعية”.

ويتابع حديثه للجزيرة نت مشيرا إلى أن الشعراء في مصر في القرن العشرين كانوا مثالا واضحا لهذه العلاقة بين الشعراء والأحداث السياسية التي مرت بها مصر في هذه الفترة، سواء تعلق ذلك بالثورات التي عصفت بالحياة السياسية، أو الحروب العديدة التي خاضتها مصر، أو قضايا الأمة العربية والإسلامية، وكذلك قضايا المجتمع المختلفة “وكان الشاعر دوما في قلب هذه الأحداث حاملا هم أمته، مدافعا عنها، ومشاركا في أحداثها أحيانا”.

ويردف “سنجد أثر ذلك واضحا في الثراء الفني الذي تميز به الشعر السياسي في مصر، فعندما يشتد طغيان السلطة، ويزداد التضييق على المبدعين من أبناء الأمة، وحين تشعر هذه الأمة بأنها تنسلخ عن ماضيها، وتفقد هويتها ـ حينها يلجأ الشعراء إلى وسائل وأدوات للتعبير عن ذاتهم وذات الآخرين، وتكون هذه الأدوات فنية موحية، تعبر عن مشاعرهم وآلامهم، وتتعدى ذلك إلى التأثير في الأدوات الفنية التي اختارها الشاعر، سواء كان في بناء الصور، أو الخيال، أو اختيار القالب الفني للتجربة، أو الشكل الموسيقي الذي آثره الشاعر، أو غير ذلك من أدوات فنية”.

ويجمل حديثه معتبرا أن الشاعر في تناوله الأحداث السياسية من حوله كان يتحرك في مسارين يكمل أحدهما الآخر: أولهما يتمثل في ترجمة الأحداث المختلفة من حوله في صورة تجارب شعرية، تزداد قيمتها الفنية كلما كانت الخطب شديدا على أبناء المجتمع، وهذا كان واضحا في أحداث ثورة 1919 وعقب نكسة 1967 والعدوان الثلاثي على مصر.

أما المسار الثاني، بحسب المؤلف، فتشكل من وعي الشعراء أنفسهم بالدور المنوط بهم، فقاموا باستنهاض المجتمع وتوعيته بما يحيط به من أحداث، ومحاولة لملمة الجراح النازفة بعد خيبات كثيرة عصفت بالبلاد في سبيل التحرر من الاستعمار، أو مقاومة هذا المستعمر وما يعادله من ألوان الظلم والاستبداد التي مثلت جميعها روافد غنية شكلت التجارب الفنية والصور الإبداعية لهؤلاء الشعراء.

الروافد التراثية

واهتم الفصل الأول من الكتاب بدراسة الروافد التراثية التي استدعاها الشعراء في شعرهم السياسي، وصنفت هذه الروافد إلى أربعة روافد: الدين، والتاريخ، والموروث الشعري، والأدب الشعبي.

ومن خلال دراسة هذه الروافد اتضح أن التراث يمارس تأثيرا كبيرا على كل من الشعر والشعراء عبر مستويين: أولهما: أن خصوصية الشعر السياسي جعلت الشعراء يلجؤون إلى تراث محدد، وفترات زمنية بعينها، وإلى شخصيات أقل ما تتصف به أنها مشعة وموحية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى حاجة الشعراء إلى نماذج تعينهم على خلق واقع جديد، يتشكل من خلال إعادة إحياء هذه النماذج التراثية حسب الرؤية الفنية للشعراء.

وثانيهما: أن التراث أسعف الشعراء بطاقات تعبيرية وإيحاءات دلالية جديدة، استطاع الشاعر السياسي الحديث أن يجعلها أدوات فنية تسهم في تشكيل التجربة الشعرية الخاصة به.. وهذا ما اهتم به الفصلان التاليان.

ففي الفصل الثاني احتفت الدراسة بالصورة الشعرية، وجاء هذا الفصل في ثلاثة مباحث، تناول الأول منها أهم المصادر التي أسهمت في تشكيل الصورة الشعرية، وكانت الطبيعة -بجميع عناصرها- أهم هذه المصادر، واتضح كيف تفاعل الشاعر مع معطياتها، حتى وصل هذا التفاعل إلى حد الاتحاد أحيانا، ويأتي بعد الطبيعة كل من التاريخ والدين.

وفي المبحث الثاني وقف الكاتب على أهم الوسائل التي استعان بها الشعراء لتشكيل صورهم، ولاحظت أن الشعراء جمعوا إلى جوار الوسائل التقليدية -مثل التشبيه، والتشخيص، والتجريد، وسائل جديدة لم يكتب لها الشيوع والانتشار في القصيدة العربية القديمة، مثل السرد، والحوار، والمونتاج، وتراسل الحواس.

ويقول المؤلف إنه حاول الاهتمام بهذه الوسائل أكثر من غيرها من الوسائل التقليدية، لأهميتها في رصد التطور الفني لبناء الصورة الشعرية في العصر الحديث عامة، وإبراز مدى توفيق الشعراء في استخدام هذه الوسائل في بناء تجاربهم الفنية في قصيدة الشعر السياسي خاصة.

الشعر السياسي

وقدم المبحث الثالث تصورا لأهم الخصائص التي تميزت بها الصورة في الشعر السياسي فترة الدراسة، ومنها الاعتماد على الصور المركبة، وتكثيف الصور، والاعتماد على ألفاظ حقيقية خالية من أي استخدام مجازي… إلخ.

أما الفصل الثالث فاهتم بدراسة أبرز المقومات التي تشكل البناء الموسيقي لقصيدة الشعر السياسي، وجاء في ثلاثة مباحث، تناول أولها الأوزان الشعرية التي استخدمها الشعراء، مع رصد ملامح التطور التي طرأت على استخدام الشعراء للأوزان الشعرية، مقارنة بما كانت عليه القصيدة العربية قديما، وكذلك الإشارة إلى قضية ارتباط الغرض بالوزن، واتضح أن الوزن الشعري مثل الآلة الموسيقية يستطيع الشاعر الماهر أن يعزف عليه جميع الألحان.

وفي المبحث الثاني وقفت على أهم الخصائص التي تميز القافية في الشعر السياسي، وأهمها: التوسع كثيرا في استخدام حروف المعجم، مع محاولة ربط هذه الخصائص بما كانت عليه القافية في الشعر العربي القديم، وأثار هذا المبحث قضية ارتباط كلمات القافية بالعاطفة المسيطرة على الشاعر من ناحية، وغرض القصيدة من ناحية ثانية، واتضح أن ثمة وشائج تربط بين العاطفة وكلمات القافية، وهذه العلاقة مرتبطة ببراعة الشاعر في اختيار الكلمات القادرة على نقل عاطفته.

وفي المبحث الأخير كانت ظاهرة التكرار، بوصفه معطى من المعطيات الفنية القادرة على إبراز ملامح الرؤية الشعرية الخاصة بكل شاعر، وأوضح الكاتب كيف تعددت صوره وتنوعت بين تكرار لحرف أو كلمة أو عبارة أو حتى مقطع بأكمله.

وقد اقتضت طبيعة هذه الدراسة الفنية التعويل على الأسلوبية الإحصائية حينا، والأسلوبية اللغوية حينا آخر، بالإضافة إلى استثمار إجراءات المنهج التاريخي في بعض الأحيان، استجابة لمقتضيات المادة الشعرية وطبيعتها.

ولعل توظيف مقتضيات هذا المنهج، بحسب المؤلف، كان ضرورة من أجل التغلب على عدد من الصعوبات التي يمكن إجمالها في التالي: كثرة الأحداث السياسية خلال الفترة الزمنية للدراسة، وتفاعل الشعراء مع هذه الأحداث، ما وضع أمام المؤلف كما هائلا من أسماء الشعراء والنصوص الشعرية، التي تعبر عن الشعر السياسي أصدق تعبير، وتمثل عائقا أمام عملية الاختيار في الوقت نفسه.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى