العالم

الرواية قضية إنسانية.. لماذا يجب أن تكون روائيا؟ | ثقافة

يرفض هيثم حسين أن يستهل الروائي مشواره الإبداعي بعيدا عن خصوصيته المحلية، معللا ذلك بأن المحلية هي البوابة التي يطل بها الروائي على الآخر، وقد يكتشف أثناء الكتابة كثيرا من التفاصيل والخبايا فيكون الاشتغال على الرواية بمثابة النظر عبر العين الثالثة.

يبدأ الروائي السوري هيثم حسين كتابه “لماذا يجب أن تكون روائيا؟” بعدة تساؤلات، منها: ما فوائد الرواية؟ ولماذا نقرأ الروايات؟ وهل تهدر القراءة وقت قارئها؟ ولماذا لا يضع الروائي ملخصا لعمله؟

يبدأ الكتاب الصادر عن منشورات “خطوط وظلال، 2021” بمقدمة يشير فيها الكاتب إلى النقد المقدم من بعض القراء والنقاد إلى الروايات من حيث الحجم، كأنهم يطالبون بكتابة وفق صيغة مثالية دون مراعاة لشروط الكتابة الروائية، والشكل الذي يراه الكاتب مناسبا لعمله الروائي.

يرفض هيثم حسين ذلك النقد من منطلق أن هذه الآراء لا تنتمي إلى الموضوعية، ومبنية على عدم فهم بنية الفن الروائي، وفي الوقت ذاته تطالب الرواية بلعب دور القصة أو النيابة عنها، أو إلغاء الرواية بالتقادم طالما أنها تهدر الوقت ويمكن اختصارها.

خصوصية محلية

ويخلص هيثم حسين إلي سؤال، هل يبحث الروائي عن الحقيقة في عمله؟ وكيف يمكن لرواية أن تكتسب قوة لمجابهة الزمن والصمود أمام متغيراته؟

لذلك يشير الكاتب إلى أن تراث الروائي الإسباني ميغيل دي ثيربانتس (1547-1616) -مؤلف دون كيشوت التي توصف بكونها أول رواية أوروبية حديثة- هو تراث الإنسانية جمعاء، لأن الرواية توثق ما يجري في زمنها من متغيرات وصراعات تلعب دورا في صياغة المستقبل.

الروائي السوري هيثم حسين
الناقد والروائي السوري المقيم في بريطانيا هيثم حسين أصدر روايات وكتبا في النقد الروائي (الجزيرة)

ولذلك لا وقت مهدورا في القراءة، على اعتبار أن الكتابة تحفظ إرثا إنسانيا متراكما عبر الزمن، تنتشل المنسي والمهمل من زوايا الإهمال.

وبحسب الكتاب، يدرك المهتمون بالفن الروائي أن بناء رواية على صيغة رسائل متبادلة بين الشخصيات هي من أساليب البناء الذي لا يحتاج إلى حبكة قوية، ولا إلى اشتغال درامي بحيث يكون تشابك الخيوط والمحاور راسماً لعوالم الرواية، بل يتصدر كشكل فني لا يحتاج إلى هندسة كبيرة لإتمام البناء الروائي.

ويرفض هيثم حسين أن يستهل الروائي مشواره الإبداعي بعيدا عن خصوصيته المحلية، معللاً ذلك بأن المحلية هي البوابة التي يطل بها الروائي على الآخر، وقد يكتشف أثناء الكتابة كثيرا من التفاصيل والخبايا عن مدينته إذا أراد الكتابة عنها، ويكون الاشتغال على الرواية بمثابة النظر عبر العين الثالثة كي يرى ما هو فيه، ذلك أن أي محلي هو جزء من مشهد عالمي واسع.

الهوية والوباء

هل هناك وصفة سحرية في الكتابة؟ يرى حسين أنه إذا افترضنا وجود مثل هذه الوصفة، فهل يمكن تعلمها وتعليمها؟ بالتأكيد سيكون الرد أن هناك الكثير من الورشات التدريبية التي تسعى إلى تنمية وصقل أدوات الراغبين بدخول محترف الكتابة، وربما ينطلق بعضها من فكرة أنه بالإمكان استلهام تجارب الآخرين.

يستعرض الكاتب من خلال صفحات الكتاب عددا من الأعمال الروائية العربية والأجنبية التي تناولت الأوبئة، بعضهم قدم أعماله بناء على سبل متخيلة تبلور عوالم مبتكرة، انطلاقا من وقائع تاريخية أو مفترضة.

على سبيل المثال، العمل الريادي “الديكاميرون” للإيطالي جيوفاني بوكاشيو، ورواية “الإنسان الأخير-الطاعون” للإنجليزية ماري شيلي، ورواية “إيبولا” للسوداني أمير تاج السر، ورواية “أميركا” للبناني ربيع جابر.

لكن كيف يمكن الإجابة عن سؤال من نمط: هل تتأثر الرواية بالتغيرات المناخية؟.. نعم، لقد شكل المناخ مجالا خصبا للرواية، إذ عمل بعض الروائيين خاصة الأجانب على تقديم أعمال روائية تحذر وتنذر بكوارث متخيلة، وكمثال على ذلك “رواية” عام الفيضان للروائية الكندية مارغريت أتوود، التي قدمت عملا استشرفت من خلاله ظهور أوبئة وفيضانات تتسبب بتغير بيئي خطير، يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل كارثي في مدينة متخيلة. وفي الوقت ذاته أشار هيثم حسين إلى أن قضية التغير المناخي ظلت بعيدة عن اهتمام الروائي العربي.

وأشار الكتاب إلى موضوع يعطيه الروائيون أهمية كبيرة في العمل الروائي هو “الهوية”، باعتبارها مدخلا للذات الإنسانية، التي تحاول الرواية إعطاءها أصواتا لتعبر عن هواجسها وأفكارها، دون القيود التي تفرضها سلطات الواقع. من هنا تتحدى الرواية المحو والاستخفاف بها كعمل فردي يمكن إنجازه في أي مكان.

وهذا ما حدث في رواية “زمن مستعمل.. نهاية الإنسان الأحمر”، فيها أعطت الروائية البيلاروسية الحائزة على جائزة نوبل للآداب سفيتلانا ألكسييفيتش أصواتا لمن خرجوا من معركة الحياة في ظل الاتحاد السوفياتي، صورت كيف أن بعض أبطالها قاوموا ما سعت إليه السلطة الشمولية من تصنيع المواطن السوفياتي وفق المواصفات التي تضعها.

الخوف من الكتابة

تحدث هيثم حسين عن الوحدة وكيف يتعامل معها الروائي، وكيف أنها قد تكون لبعض الروائيين الدافع والمحرض على استمرار الكتابة. وإذا ما تحدثنا عن الخوف من الكتابة، فيمكن القول إن حجم الخوف يتأرجح من كاتب لآخر، بين كاتب يخوض تجربته الأولى في النشر، وآخر مخضرم خاض الكثير من التجارب.

واشتمل الكتاب على عدد من الفصول، منها الرواية قضية إنسانية، الرواية والأوبئة.. كيف رسمت الفيروسات مسارات البشر ومصائرهم؟، الرواية والتغيرات المناخية، الرواية والهوية، أقنعة الأنا ومرايا الآخر روائيا، الرواية وفن العيش، الرواية.. بناء على بناء، الرواية والزمن.. كيف يؤثّث الروائيون أزمنتهم المتخيّلة؟ الرواية والمكان.. مدن منكوبة وفراديس متخيّلة، ترويض الأزمات والحروب روائيا، الرواية ولعبة الثنائيات، جماليات وفنيات.

وأصدر هيثم حسين أعمالا روائية ونقدية بينها “آرام سليل الأوجاع المكابرة”، و”رهائن الخطيئة”، و”إبرة الرعب”، و”عشبة ضارة في الفردوس”، و “قد لا يبقى أحد”، و”الرواية بين التلغيم والتلغيز”، و”الرواية والحياة”، و”الروائي يقرع طبول الحرب”، و”الشخصية الروائية.. مسبار الكشف والانطلاق”.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى