منوعات

السوق السوداء المصرية للدولار.. تاريخ ممتد عبر 55 عاما | آراء

توجد مقولة لعلي نجم أحد محافظي البنك المركزي المصري يقول فيها “إنك إذا وقفت أمام شباك أحد فروع البنوك تطلب شراء كمية من الدولارات، وطلب منك موظف الفرع أي إجراء ولو بطلب البطاقة الشخصية، أو سألك عن الغرض من الشراء، فاعرف أن هناك نقصا بالدولار في السوق المصرفية”.

منذ النصف الثاني من العام الماضي، تمتنع البنوك المصرية عن تلبية طلبات الأفراد الراغبين في شراء الدولار منها، على ضوء نقص العملات الأجنبية لديها، وذلك بعد تدبيرها قيمة خروج الأموال الساخنة حينذاك، بعد تصريح الفدرالي الأميركي عن نيته رفع أسعار الفائدة، وهو الخروج الذي زادت حدته بالربع الأول من العام الحالي، بعد بدء رفع الفائدة الأميركية وما رافقها من تداعيات للحرب الروسية الأوكرانية.

وهذا الأمر دفع البنك المركزي المصري لإيقاف العمل باستيراد السلع بطريقة مستندات التحصيل، التي يتم بموجبها دفع المستورِد جزءا من ثمن البضاعة للمورد الخارجي، على أن يدفع له باقي القيمة بعد عدة أشهر يكون خلالها قد باع قدرا من البضاعة المستوردة، واكتفاء المركزي المصري بالعمل بطريقة الاعتمادات المستندية للاستيراد، التي تتطلب إيداع المستورد كامل قيمة البضاعة المطلوب استيرادها لدى البنك، ثم انتظار عدة أسابيع حتى يقوم البنك بمخاطبة المُورد الأجنبي ودفع القيمة له لشراء البضاعة.

وارتبك السوق نتيجة لذلك إثر تأخر استلام البضائع المستوردة، وتكدس البضائع بالموانئ في انتظار الإفراج عنها، ودفع رسوم أرضيات للحاويات المنتظرة داخل الجمارك، في انتظار تدبير البنوك قيمة تلك البضائع بالعملات الأجنبية للإفراج عنها، الأمر الذي قد يطول لعدة أسابيع.

وهنا يصبح الملاذ هو السوق السوداء لتدبير الدولار، سواء للعلاج في الخارج أو لإرسال مبالغ للأبناء الدارسين خارج البلاد، أو للسفر للسياحة أو لاستيراد عاجل لقطع غيار مطلوبة للآلات الصناعية، مما زاد من الطلب على دولار السوق السوداء، الذي يباع بسعر أعلى من الأسعار الرسمية بنحو 3 إلى 4 جنيهات أو أكثر عن السعر الرسمي.

3 أنواع للطلب على الدولار

ومع استمرار تأخر البنوك في تلبية احتياجات العملاء من الدولارات، رغم التدخل الرئاسي مايو/أيار باستثناء المواد الخام ومستلزمات الإنتاج من نظام الاعتمادات المستندية، زاد اللجوء للسوق السوداء للحصول على الدولار، وأصبحت شركات بيع السيارات ومحلات الذهب والهواتف المحمولة، وغيرها من المحلات -التي تبيع السلع المستوردة- تتعامل بأسعار السوق السوداء.

ويعزز نشاط تلك السوق السوداء التقارير الدولية المتداولة عن توقع خفض كبير في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، استجابة لمطلب صندوق النقد الدولي، للحصول على القرض الذي طلبته مصر منه، وتوقعات عدد من المؤسسات بانخفاضه بحلول نهاية العام الجاري وخلال العام المقبل، والفارق الكبير بين سعر الصرف السائد بالبنوك والسعر الآجل للجنيه المصري بالأسواق الدولية.

والطلب على الدولار له 3 أشكال غالبا: أولها الطلب لأغراض المعاملات المعتادة كاستيراد السلع والخدمات، والثاني للاحتياط في حالة التحوط لتوقع ندرته مستقبلا، والنوع الثالث لأغراض المضاربة وتهريب الأموال للخارج، والبضائع للداخل خاصة السلع الممنوعة كالمخدرات والسلاح وغيرها.

وعندما تكون أحوال الدولار مستقرة وتوفره البنوك لمن يطلبه من المستوردين والمسافرين للعلاج والسياحة والتعليم والتدريب، يهدأ النوع الثاني من الطلب المتعلق بالاحتفاظ، نظرا لاستقرار سعر الدولار وتوافره، ويكاد يقتصر عمل السوق السوداء على تدبير الدولار لأصحاب الأنشطة غير المشروعة.

أما في وقت الأزمات، فيزداد الطلب على السوق السوداء لتلبية الأنواع الثلاثة للطلب على الدولار، وينشط الطلب للاحتفاظ من جانب الأفراد، والشركات التي تبني مخزونا من العملات الأجنبية مع توقعها نقصها مستقبلا وزيادة سعرها، كما يُحجم الأفراد عن إيداع ما لديهم من دولارات بالبنوك خاصة مع تدني العوائد عليها، مع توقعهم تحقيق أرباح من زيادة قيمتها، إلى جانب تلبية طلبات الأنشطة غير المشروعة المستعدة دائما لدفع أي سعر الذي تعوضه أرباحها العالية.

شهدت مصر فترات نقص شديد بالعملات الأجنبية، منها بعد حرب 1967 وما تلاها من حرب الاستنزاف، وهو ما دفع للجوء للاستيراد بدون تحويل عملة من قبل البنوك، لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي المحدود، مما أنعش السوق السوداء لتلبية احتياجات تلك الواردات، ومنذ ذلك الحين أصبحت السوق السوداء واقعا مصريا مستمرا

رواج السوق السوداء رغم قسوة العقوبات

ومنذ الربع الأول من العام الحالي، عاد نشاط السوق السوداء بالدولار للنشاط بقوة، بعد أن كان قد هدأ منذ الربع الأخير من عام 2017 وحتى النصف الأول من العام الماضي، وجاء ذلك النشاط الذي تشارك فيه بعض محلات الذهب وبعض العاملين بشركات الصرافة وغيرها من الأنشطة خارج مقار الشركات، رغم العقوبات القاسية التي فرضها القانون على الاتجار بالعملات الأجنبية.

تنص المادة 233 من قانون البنوك 194 لسنة 2020 على العقاب بالسجن مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز 5 ملايين جنيه، أو المبلغ المالي محل الجريمة أيهما أكبر، لكل من تعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة أو الجهات المرخص لها بذلك -شركات الصرافة- وفي جميع الأحوال تُضبط المبالغ والأشياء محل الدعوى ويُحْكم بمصادرتها، فإن لم تُضبط، حُكم بغرامة إضافية تعادل قيمتها.

لكن الأرباح الكبيرة المتحققة من الاتجار بالعملات الأجنبية تسهم في استمرار النشاط، خاصة مع كبر حجم الطلب عليها وقت الأزمات، وخلال الشهور الماضية أسهم الفارق السعري بين سعر الدولار بالبنوك وخارجها في اجتذاب جانب من تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي تمثل رافدا رئيسيا لموارد البنوك من النقد الأجنبي.

وهذا الأمر أدى لنقص تحويلات المصريين بالخارج بالبنوك خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز الماضيين، عما كانت عليه بنفس الشهرين بالعام الماضي، وكذلك الحصول على نصيب من دولارات العاملين بالشركات والهيئات والسفارات الأجنبية الموجودة بمصر.

وتتعدد مجالات الطلب بالسوق السوداء، لتشمل إلى جانب الاستيراد والسفر للخارج للعلاج والسياحة والتعليم، الراغبين بتحويل مدخراتهم لدولارات لمواجهة أثر التضخم عليها، وتدبير نفقات المدارس الدولية التي تتلقى رسومها الدراسية بالعملات الأجنبية.

انتعاش السوق السوداء منذ 1967

وتاريخيا شهدت مصر فترات نقص شديد بالعملات الأجنبية، أبرزها عام 1947 بعد خروجها من منطقة الإسترليني، وعقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وتجميد أرصدة العملات الأجنبية لمصر بالخارج، والحاجة لتمويل برنامجها الصناعي والزراعي، وعام 1962 بعد استنزاف احتياطي عملاتها بدفع تعويضات التأميم، وتعويضات لحكومة السودان بسبب إنشاء السد العالي والحاجة لتمويل الخطة الخمسية الأولى.

وبعد حرب 1967 وما تلاها من حرب الاستنزاف أيضا، شهدت مصر نقصا شديدا في العملات الأجنبية، مما دفع للجوء للاستيراد بدون تحويل عملة من قبل البنوك، لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي المحدود، مما أنعش السوق السوداء لتلبية احتياجات تلك الواردات، ومنذ ذلك الحين أصبحت السوق السوداء واقعا مصريا مستمرا، حتى أنه يمكن تحديد فترات محدودة لهدوء تعاملات تلك السوق السوداء، أبرزها ما بين عام 1991 وحتى 1997 مع إعطاء الأفراد والشركات وقتها الحرية بالتعامل بالنقد الأجنبي وثبات سعر الصرف، وما بين عامي 2005 وحتى 2009، وما بين النصف الثاني من عام 2017 وحتى عام 2020، وبخلاف تلك الفترات كان نشاط السوق السوداء سائدا.

فمع استمرار مشكلة نقص العملات الأجنبية في الفترة بين حربي 1967 و1973، اتسع نشاط السوق السوداء بعد حرب 1973 وحتى 1978، حين تم توحيد سعر الصرف مع قرض من صندوق النقد، لتنشط مرة أخرى حتى عام 1987 حين تم تهدئة النقص من العملات بقرض من الصندوق، لتنشط مرة أخرى حتى عام 1991 وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ومع تداعيات مشكلة النمور الآسيوية عام 1997، عادت السوق السوداء، ولم يفلح تعويم الجنيه يناير/كانون الثاني 2003 في إيقافها حتى عام 2005، حين استقرت أسعار الصرف حتى العام الأخير للرئيس مبارك، ليعود نشاط السوق السوداء منذ 2011 وحتى النصف الأول لعام 2017، رغم تحرير سعر الصرف نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

ولقد احتاج الأمر لعدة شهور لتلبي البنوك الاحتياجات المتأخرة للمستوردين، ولزيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي لطمأنة السوق، وهو ما تحقق بعد الاقتراض من جهات أخرى بخلاف الصندوق وإصدار سندات بالأسواق الخارجية، الأمر الذي نتوقع أن يتكرر مع القرض المرتقب لمصر من الصندوق، حيث لن تنتهي السوق السوداء بمجرد الحصول على القرض. وإنما سيحتاج الأمر لشهور أخرى للحصول على قروض من دول وبنوك إقليمية وصناديق عربية، يتم بها سد العجز الدولاري بالجهاز المصرفي، وما يليه من إمكانية طرح صكوك سيادية بالأسواق الدولية أو بالأسواق الآسيوية.

واحتمالات عودة جزئية للأموال الساخنة للاستفادة بالفوائد المصرية المرتفعة بالمقارنة بالخارج، مما يسهم في زيادة قيمة الاحتياطي من العملات الأجنبية بالبنك المركزي، وطمأنة الأسواق لاستعادة الثقة التي تعد شرطا أساسيا لتراجع نشاط السوق السوداء.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى