العالم

العرب في مونديال قطر 2022.. كلٌّ يغني على مجموعة موته!

بدأت القصة في 16 مارس/آذار عام 2009، حين قرَّرت دولة قطر -رسميا- تشكيل فريق عمل لإعداد ملف تنظيم كأس العالم لعام 2022. بالتأكيد كان ذلك حلما بعيد المنال، استدعى سخرية الكثيرين في ذلك الوقت، حتى يوم 13 مايو/أيار عام 2010، حيث تم تقديم الملف رسميا للاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”. (1)

 

في 2 ديسمبر/كانون الأول عام 2010، كانت اللحظة التاريخية، عندما أعلن الاتحاد الدولي فوز قطر بحق استضافة البطولة، لتصبح أول دولة عربية تنال هذا الشرف، وثالث دولة آسيوية بعد كوريا الجنوبية واليابان، اللتين نظَّمتا معا كأس العالم 2002.

 

ومع اقتراب العد التنازلي للحدث الرئيسي، توجهت أنظار العالم نحو قرعة المونديال، حيث سيتنافس 32 منتخبا -قبل زيادة العدد إلى 48 في النسخة التالية عام 2026- من أجل اللقب، لكن على صعيد آخر، فإن ممثلي العرب يطمحون إلى استغلال الفرصة لتحقيق إنجاز جديد، يُحسِّن من سجلهم الضعيف طوال تاريخ البطولة، فهل يمكنهم ذلك؟

 

المجموعة الأولى – قطر

حسنا، لنبدأ جولتنا في مجموعات كأس العالم، حيث المجموعة الأولى التي تضم قطر -في مشاركتها الأولى تاريخيا- وهولندا والسنغال والإكوادور. وكما هو واضح فإن مهمة صاحب الأرض لن تكون سهلة، لكن منتخب قطر يتسلَّح بالحقيقة التاريخية التي تُفيد بأن منتخب جنوب أفريقيا في 2010 كان المستضيف الوحيد الذي فشل بالعبور إلى الدور التالي. (2)

 

على غير المعتاد في المنتخبات العربية، كان منتخب قطر حريصا على التخطيط طويل الأمد لتجهيز منتخب يمنح بعض الأمل لمناطحة منافسيه في 2022. وكانت أكاديمية “أسباير” هي أحد أعمدة ذلك التخطيط، وقد تأسَّست عام 2004 بتوجيه مباشر من حُكام البلاد، بهدف رفع وتطوير مستوى لاعبي ومنتخبات “العنابي” في الألعاب المختلفة، سواء كانت فردية أو جماعية، ولا يقتصر نشاطها على كرة القدم فحسب. (3)

“قطر لديها خطة تطوير كُروية رائعة، وبالتأكيد أكاديمية أسباير أحد أسباب هذا التطور. العديد من اللاعبين نشأوا هناك، وعملت الأكاديمية على تطويرهم، ومن ثم أكملت أنديتهم المسيرة، وما وصل إليه المنتخب نتاج عمل جماعي، فبالتخطيط الجيد يمكن أن نُحقِّق النجاحات”.

(فيليكس سانشيز، مدرب منتخب قطر) (4)

اكتمل التخطيط باستبدال تجنيس اللاعبين الكبار برعاية بعض المواهب من أصول غير قطرية في سن مبكرة -على غرار “المعز علي” صاحب الأصول السودانية-، ثم تحقيق الاستقرار الفني للمنتخب الأول بتعيين المدرب السابق بأكاديمية برشلونة “فيليكس سانشيز” في يوليو/تموز 2017 واستمراره حتى يومنا هذا. مع العلم أن المدرب الإسباني موجود في أكاديمية أسباير منذ عام 2006، ومرَّ على منتخبات قطر تحت 19 عاما وتحت 20 عاما وتحت 21 عاما، حتى وصل إلى قمة الهرم وقاد العنابي إلى التتويج بكأس أمم آسيا 2019. (5)

 

ما سبق من تخطيط يستحق كل التقدير، لكن مقارعة هولندا والسنغال والإكوادور أمر آخر. فقد وصلت الإكوادور إلى هنا على حساب منتخبات أعلى شأنا مثل تشيلي وكولومبيا، أما السنغال فتمر بحقبة ذهبية، قوامها كوليبالي (نابولي)، وساديو ماني (ليفربول)، وإدوارد ميندي (تشيلسي)، وقد وصل هذا المنتخب إلى كأس العالم 2018، وكان وصيفا لأمم أفريقيا 2019، ثم بطلا لنسخة 2022. أما هولندا، بطلة المجموعة على الورق، فقد استعادت رونقها بعد الاستعانة بالمخضرم “لويس فان خال”، الذي باغت الجميع مؤخرا بالإعلان عن إصابته بمرض السرطان، ما جعل قيادته للطواحين محل شك. (6)

المجموعة الثالثة – المملكة العربية السعودية

ومن المجموعة الأولى إلى الثالثة، حيث مُمثِّل العرب الثاني المملكة العربية السعودية، التي أوقعتها القرعة مع الأرجنتين والمكسيك وبولندا. بحسب تحليل “جوناثان ويلسون” لـ”Sports Illustrated”، فإن منتخب الأرجنتين الفائز بلقب كوبا أميركا 2021 أصبح أفضل منذ تضاءل عدد المهاجمين المتاحين، من “هيجواين” و”تيفيز” و”إيكاردي” و”دييغو ميليتو” و”أجويرو” إلى “لاوتارو مارتينيز” فقط، وهو ما جعل التشكيلة أكثر توازنا عوضا عن محاولة استيعاب معظم هؤلاء. (7)

 

ستكون مواجهة المكسيك -التي يقودها الأرجنتيني “تاتا مارتينو”- بمنزلة اختبار أوَّلي لراقصي التانغو، خاصة مع ترشيحهم للقب رغما عنهم، فقط لأن مونديال 2022 سيكون الأخير للأسطورة “ميسي”. تمتلك المكسيك العتاد اللازم لإزعاج الأرجنتين وبقية الكبار في وجود هيرفينغ لوزانو وراؤول خيمينيز وخيسوس كورونا، وكما يقول “ويلسون”، فإن التاريخ الحديث يُشير إلى عبور المكسيك إلى الدور التالي ثم الخروج من دور الستة عشر كما جرت العادة في آخر سبع نسخ.

 

قد يكون ذلك خبرا سيئا للثنائي بولندا والسعودية، أو من جهة أخرى سيُجبرهما على المغامرة بلا حسابات. بالنسبة لبولندا، فقد يئس الجميع منها، ولم يعد أحد يتوقع تألُّق ليفاندوفسكي رفقتهم. أما السعودية، فقد قدَّمت أداء رائعا في التصفيات، ومنحت مشجعيها بعض الأمل.

 

تجني المملكة ثمار تخطيط مُشابه لمشروع العنابي، وقد أوضح تقرير لشبكة “ESPN” أهم ملامحه بالتركيز على الشباب، وجاءت أولى بوادر المبادرة عام 2018 عندما تُوِّج منتخب الصقور الخضراء بطلا لبطولة آسيا تحت 19 سنة. بعد ذلك بعامين، اقتربوا من تحقيق المزيد من المجد بعد أن احتلوا المركز الثاني في بطولة آسيا تحت 23 عاما، مما أكسبهم مكانا في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لكرة القدم في 2021. (8)

 

يظهر الآن عدد كبير من الشباب من تلك الفئات العمرية بشكل بارز في الفريق الأول، حيث كان فراس البريكان وسامي الناجي من أفضل هدافي السعودية في التصفيات، كذلك حجز المدافع عبد الإله العمري والمهاجم عبد الرحمن غريب مكانا في خطط المدرب “هيرفي رينارد”.

 

ومن الاهتمام بالناشئين إلى الطفرة الهائلة التي يشهدها الدوري السعودي بزيادة عدد المحترفين الأجانب إلى 7 في صيف عام 2018، إذ ساهم ذلك في رفع مستوى المحليين الذين استفادوا من مجاورة الأجانب. وأخيرا نصل إلى المدرب الفرنسي “رينارد”، الذي تولى المهمة في يوليو/تموز 2019 وتمكَّن من قيادة الأخضر السعودي إلى قطر. يملك “رينارد” سجلا حافلا مع المنتخبات، فقد فاز ببطولتَيْ كأس أمم أفريقيا رفقة زامبيا وكوت ديفوار، وقاد المغرب في كأس العالم 2018، وبفضله يمكن توقُّع المفاجأة من السعوديين. (9)

 

المجموعة الرابعة – تونس

ومن آسيا إلى أفريقيا، حيث نسور قرطاج، الذين وقعوا في المجموعة الرابعة رفقة فرنسا والدنمارك، بانتظار أحد الثلاثي: بيرو والإمارات وأستراليا. يملك منتخب الديوك تشكيلة قد تكون الأكبر على مستوى الجودة والعمق، تؤهِّله بقوة للدفاع عن لقبه. لكن يظل الشك دائرا حول المدرب “ديديه ديشامب”، الذي يلعب بأسلوب محافظ، كما وصفه “جوناثان ويلسون”.

 

أطلق الخروج أمام سويسرا في دور الستة عشر بكأس أمم أوروبا 2020 العنان للشك في أسلوب لعب “ديشامب”، ثم زاد الشك في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، حينما واجه الفرنسيون صعوبة في التغلب على خصوم بحجم أوكرانيا والبوسنة والهرسك. ورغم ذلك، لا يبدو دور المجموعات اختبارا حقيقيا لبيان حقيقة هذا الشك.

 

ثم تأتي الدنمارك، المتطورة بشدة في الآونة الأخيرة، مُتسلِّحة بعودة “كريستيان إريكسن” (الذي عانى من مشكلة في القلب في أثناء منافسات يورو 2020) لتضع نفسها مرشحا أول لخطف البطاقة الثانية. وحتى نتبيَّن هوية المنتخب الرابع، فإن مهمة تونس تبدو صعبة، بالنظر إلى جودة التشكيل، حيث يُعَدُّ منتخب نسور قرطاج أقل منتخبات شمال أفريقيا من ناحية الجودة، سواء المحترفين أو المحليين. يكفي أن ترى الثلاثي “حمزة المثلوثي” و”علي معلول” و”سيف الدين الجزيري” موجودين في التشكيلة الأساسية رغم وجودهم في الدوري المصري، وتراجع مستواهم بشكل ملحوظ.

 

عقب كأس أمم أفريقيا 2022، حلَّ المدرب “جلال خضري” محل “منذر كبير” بعد توديع البطولة من الدور ربع النهائي. وبحسب وصف “جوناثان ويلسون”، فإن تونس تعتمد في المقام الأول على تكسير اللعب، ومنع الخصم من تسيير المباراة بأسلوبه، أكثر من التركيز على اللعب بأسلوبهم، ولعل التأهل لكأس العالم على حساب مالي بنتيجة 1-0 بمجموع المباراتين، وبهدف عكسي، خير دليل.

المجموعة السادسة – المغرب

ومن تونس إلى المغرب، حيث المجموعة السادسة التي تضم بلجيكا وكرواتيا وكندا. وبما أننا وصلنا إلى محطتنا الأخيرة، فيُمكننا بكل بساطة أن ننعت هذه المجموعة بمجموعة الموت الحقيقية. نعم، كل المجموعات للمنتخبات العربية هي بمنزلة مجموعة الموت، لكن هذه تبدو أقساهم. ورغم ذلك، يظهر المنتخب المغربي متفائلا، لأنه في روسيا 2018 اصطدم بالبرتغال وإسبانيا وإيران.

 

بالنسبة للمجموعة الحالية، يعيش الجيل الذهبي لبلجيكا آخر أيامه، مع شكوك أكيدة حول “إدين هازارد” وشكوك أقل حول صفقة تشيلسي غير الناجحة “روميلو لوكاكو”، بالإضافة إلى وصول مجموع عمرَيْ “يان فيرتونخين” و”توبي ألدرفيلد” إلى 68 عاما. ومع ذلك، يبدو منتخب المدرب “روبيرتو مارتينيز” عامرا بما يكفيه لتجاوز دور المجموعات والمُضي قُدما حتى الاصطدام بأول مرشح أكثر جاهزية وشبابا.

 

أما عن المنافسين الآخرين، فإن كرواتيا ليست مثل كرواتيا التي حلَّت وصيفة بكأس العالم 2018، في حين تظهر كندا بقيادة ألفونسو ديفيز من بايرن ميونخ وجوناثان ديفيد من ليل بوصفها منتخبا طموحا يُعِدُّ نفسه للمونديال القادم عام 2026، الذي سيُقَام بتنظيم ثلاثي مشترك بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأميركية.

 

على الجانب الآخر، لا يعيش منتخب المغرب أفضل أيامه رغم التأهل، والسبب ربما هو مدربه “وحيد خاليلوزيتش”، حيث لا يحظى المدرب بشعبية كبيرة بين اللاعبين والمشجعين، ناهيك باستبعاده للنجمين حكيم زياش (تشيلسي)، ونصير مزراوي (أياكس أمستردام). وحتى الآن يبدو بقاء “خاليلوزيتش” محل شك، مما قد يزيد من صعوبة المهمة. إن استرجعت ما حدث في مونديال روسيا 2018، فإن أسود الأطلس كانوا أفضل حالا مع المدرب “هيرفي رينارد”، لكن المشكلة كانت في قوة المجموعة، مَن يدري لو كانوا بالمستوى نفسه، هل كانوا يستطيعون العبور في 2022 أم لا؟

———————————————————————–

المصادر

  1. الخط الزمني لتنظيم كأس العالم 2022 بقطر.
  2. تقرير “جوناثان ويلسون” بصحيفة “الغارديان” عن مجموعات كأس العالم 2022.
  3. تقرير “DW” عن أكاديمية أسباير.
  4. تصريح مدرب منتخب قطر عن أكاديمية أسباير.
  5. مشوار “فيليكس سانشيز” حتى توليه مهمة المدير الفني لمنتخب قطر الأول.
  6. إعلان “فان خال” إصابته بالسرطان.
  7. تحليل “جوناثان ويلسون” لمجموعات كأس العالم 2022.
  8. تقرير “ESPN” عن أسباب تطور المنتخب السعودي.
  9. تقرير موقع “جول” عن تأثير الأجانب في الدوري السعودي.




تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى