العالم

القراءة للأطفال تجعلهم أكثر ذكاء

التفاعل الصوتي يوفر الفوائد على المستوى العاطفي

القاهرة: د. هاني رمزي عوض

رغم أن القراءة للأطفال في مرحلة الطفولة المتأخرة تبدو مجرد فعل ترفيهي روتيني، إلا أن العديد من الدراسات أشارت إلى الأهمية الكبيرة والأثر الإيجابي لهذا العمل سواء على مستوى تنمية المهارات اللغوية والإدراكية أو على المستوى العاطفي والوجداني، لأن القراءة تجعل الطفل يتفاعل مع أحداث القصة بشكل أكبر.

وأشارت أحدث دراسة لباحثين من جامعة ترينتو University of Trento بإيطاليا إلى احتمالية أن تكون القراءة بصوت عالٍ للأطفال في الفئة العمرية من 6 وحتى 12 عاما من العوامل المهمة التي تساهم في ارتفاع مستوى الذكاء لهم.

مهارات فكرية

أجرى الباحثون الدراسة على 626 من الطلاب في 32 مدرسة حول أرجاء إيطاليا حيث يتلقى الأطفال عادة حوالي 6 ساعات من الدروس في يوم دراسي مدته ثماني ساعات. وقام الباحثون بعمل مجموعة عمل مع التلاميذ بشكل تفاعلي interventional group بحيث يقوم المعلم بقراءة بعض القصص الخيالية المناسبة لكل فئة عمرية من الطلاب على أن تكون القراءة بصوت عالٍ لمدة ساعة واحدة فقط في اليوم. وكانت هناك مجموعة «ضابطة» control group بمارس أنشطتها بشكل طبيعي بحيث تكون هذه المجموعة هي المحددة للنتائج بشكل محايد.

قام العلماء بعمل قياس لمعامل الذكاء في الأطفال مرتين الأولى في بداية التجربة والثانية بعد مرور أربعة شهور من خلال مقاييس معينة تقيس القدرات المعرفية والإدراكية Cognitive Assessment System Scale أو اختصاراً (CAS2). وتقيس هذه الاختبارات المختلفة حصيلة المفردات اللغوية وفهم المواقف المختلفة والمغزى من أحداث معينة وأيضاً أوجه التشابه بين حدث وآخر أو شخص وموقف معين بجانب القدرة على التحليل والاستنباط وأيضاً مدى الانتباه والتركيز.

أوضح الباحثون أن الأطفال في المجموعة المحددة للنتائج (الضابطة) أظهروا تحسنا في اختبارات الذكاء المختلفة وقالوا بأن ذلك كان متوقعا بالطبع كجزء من التطور الطبيعي للنمو. ولكن بالمقارنة مع الأطفال الذين تمت القراءة لهم بصوت عالٍ بشكل ثابت يومياً لمدة ساعة، فقد حقق هؤلاء الأطفال تقدما ملحوظا وهائلا في مقاييس الذكاء بجانب أن جميع هؤلاء الأطفال زادت معرفتهم بالمترادفات المختلفة والمعاني المجازية للكلمات وأيضاً حدثت تنمية لمهارات التفكير المنطقي لديهم.

أشار الباحثون إلى أن النتائج عبارة عن حصيلة جهود استمرت لمدة عقد من الزمان لتأثير القراءة بصوت على كل من البالغين والأطفال وهو الأمر الذي دفع المقاطعة إلى إقرار القراءة لمدة ساعة يومياً في المدارس. وبمجرد أن تقوم الدولة بتدريب المعلمين يمكن أن يؤدي ذلك إلى تأثير طويل المدى على الأطفال، خاصةً أن الأبحاث السابقة أوضحت أن قراءة الروايات الأدبية يمكن أن يكون لها فوائد أخرى للأطفال مثل تنمية مهاراتهم العاطفية الاجتماعية.

فوائد عاطفية

تمت مناقشة نتائج الدراسة في بداية شهر يونيو (حزيران) من العام الحالي في لقاء افتراضي كجزء من اجتماع الجمعية الطبية لعلم النفس Association for Psychological Science meeting. وأوضح الباحثون أن القراءة للأطفال أو حتى البالغين لها فوائد على المستوى الوجداني والعاطفي كبيرة جداً نظراً لارتباط القصة نفسها بالصوت خاصةً إذا كان الشخص الذي يقوم بالقراءة تم تدريبه بشكل مناسب أو حتى إذا كان يتمتع بشكل تلقائي بطريقة محببة للمتلقي.

وتميز الأطفال الذين تمت القراءة بقدر أكبر من المفردات أكثر من أقرانهم الآخرين كما كانت أكثر تنوعاً بجانب أنهم أصبحوا أكثر دراية بالكتب والمجهود المبذول في كتابة كتاب معين، وفي المجمل اكتسبوا معرفة أوسع بالعالم من حولهم. وأشار الباحثون إلى أهمية التركيز على (التفاعل) بشكل أساسي أكثر من (القراءة) كفعل مجرد رغم فوائدها الكثيرة. ولكن المثير في التجربة هو ارتفاع الصوت بالحدث موضحين أنه دائما كانت مكتبات المدارس تحتوي على آلاف الكتب ولكن لم يكن لها نفس التأثير التفاعلي خاصةً على الأطفال الذين لا يستطيعون التركيز لفترات طويلة.

ونصحت الدراسة البالغين الذين يقومون بالقراءة للأطفال سواء المعلمين أو الآباء في المنازل بضرورة تغيير نبرة الصوت مع الحدث والتحرك بشكل دائم إذا أمكن ذلك والإشارة إلى الأشياء المختلفة التي تكون ذات صلة بموضوع الرواية فضلاً عن عمل أداء تمثيلي معين لتكون التجربة أكثر فاعلية وتأثيراً على الأطفال. ومن المعروف أن هناك العديد من الورش الفنية التي تؤهل الأشخاص لممارسة (الحكي) بصفته فنا بحد ذاته.

وقال الباحثون بأن العديد من الأطفال الذين يعرفون القراءة ربما يحجمون عن ممارستها لعدم معرفتهم المعاني المختلفة للكلمات سواء المعاني المباشرة التي تفوق معلوماتهم أو المعاني بشكلها المجازي مما يجعل فعل القراءة غير ممتع ولكن المشاركة بالاستماع للقصة وشرح معانيها المختلفة تخلق ارتباطا بين الطفل والحدث وعندما يقرأ هذه الرواية بمفرده بعد ذلك يشعر بمتعة كبيرة نظراً لإحاطته بالأحداث بشكل كامل.

وأشار الباحثون إلى أهمية القراءة بصوت عال لأنها تشبه الكتب الصوتية حيث تقوم بما يعرف «فك التشفير البصري للنص visual decoding of text»، ويرتبط المستمع بشكل أساسي بالسرد والاستمتاع باللغة والتركيز على المفردات المختلفة وجميع عناصر الخيال الموجودة في الرواية. ولدى الأطفال بشكل خاص يكتسب الأمر أهمية أكبر من البالغين لأن تنمية الخيال والتفاعل الوجداني يعتبران جزءا أساسيا من النمو بشكل عام مما يجعل القراءة نوعا من التربية تجمع بين المتعة والتعلم.

* استشاري طب الأطفال





تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى