منوعات

“القومية المسيحية”.. معنى المصطلح وعودة النزعة لاستعادة الأرض المقدسة وسط الأميركيين | ثقافة

وفق استطلاع أجرته جامعة ميريلاند في مايو/أيار 2022، يؤيد 61% من الجمهوريين إعلان الولايات المتحدة دولة مسيحية، على الرغم من اعتراف 57% ممن استطلعت آراؤهم بأن هذه الخطوة (الافتراضية) ستكون غير دستورية.

وفي غضون ذلك، يعتقد 31% من جميع الأميركيين و49% من الجمهوريين أن “الرب أراد أن تكون أميركا أرضا جديدة موعودة حيث يمكن للمسيحيين الأوروبيين إنشاء مجتمع يكون نموذجا يحتذى به لبقية العالم” وفق استطلاع حديث أجراه معهد بحوث الدين العام (the Public Religion Research Institute).

تؤكد هذه الإحصائيات تأثير مجموعة من الأفكار تسمى “القومية المسيحية” والتي كانت في دائرة الضوء قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. واعترفت النائبة عن جورجيا مارجوري تايلور غرين صراحة بأنها قومية مسيحية، ودعت الحزب الجمهوري إلى أن يفعل الشيء نفسه. آخرون، مثل النائبة عن كولورادو لورين بويبرت ومرشح حاكم ولاية بنسلفانيا دوغ ماستريانو، لم يتبنوا هذه التسمية لكنهم تبنوا مبادئها، مثل رفض الفصل بين الكنيسة والدولة.

ورغم أن قلة من الأميركيين يستخدمون مصطلح “قومي مسيحي” لوصف أنفسهم، لكن كثيرين اعتنقوا بعض جوانب هذه النظرة للعالم. ومع ذلك هناك ارتباك واسع النطاق حول ما تعنيه التسمية حقا، مما يجعل من المهم شرحها بوضوح.

ويقول الكاتب إريك مكدانيل، أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة تكساس، إن عمله البحثي حول كيفية تشكيل العرق والدين لمواقف الأميركيين تجاه الحكومة قاده إلى دراسة القومية المسيحية، والمشاركة في تأليف كتاب يوضح بالتفصيل كيف تتشكل آراء الأميركيين عن أنفسهم وحكومتهم ومكانهم في العالم.

ويقول مكدانيل في مقاله بموقع ذي كونفرسيشن (The conversation) “القومية المسيحية أكثر من مجرد تدين ووطنية. إنها نظرة عالمية ترشد كيف يجب أن يعتقد الناس وتقدم تفسيرات لهيكلة الأمة الأميركية ومن ينتمي إليها”.

“رسالة إلهية”

تمت دراسة ظاهرة القومية المسيحية البيضاء من قبل المؤرخين وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة وعلماء الدين وغيرهم. ومع أن تعريفاتهم قد تختلف، إلا أنهم يشتركون في بعض العناصر.

القومية المسيحية نظام معتقد ديني وسياسي يجادل بأن الولايات المتحدة أسسها الإله لتكون أمة مسيحية، ولإكمال الرؤية الإلهية للعالم. من وجهة النظر هذه، يجب أن تُحكم أميركا من قبل المسيحيين فقط، ورسالة البلاد توجهها وترعاها يد إلهية.

وفي كتابه الصادر حديثا عن مطبعة جامعة كامبريدج بعنوان “الحملة الصليبية اليومية: القومية المسيحية في السياسة الأميركية” (The Everyday Crusade: Christian Nationalism in American Politics)، وشارك فيه مكدانيل، مع زميليه عالمي السياسة عرفان نور الدين وأليسون شورتل، ويشرح المؤلفون أن هذه النظرة للعالم كانت موجودة منذ زمن المستعمرات، ولعبت دورا مركزيا في تطوير الهوية الأميركية.

كتاب “الحملة الصليبية اليومية: القومية المسيحية في السياسة الأميركية” صدر 2022 عن مطبعة جامعة كامبريدج (الجزيرة)

وخلال الثورة الأميركية، ربط القادة السياسيون والدينيون الاستقلال عن البريطانيين، وبين الخطة الإلهية لتصحيح مسار العالم.

ومنذ ذلك الحين، أدى اعتقاد العديد من الأميركيين بأن الإله يفضل أمتهم للتأثير في توجهات العديد من الأميركيين بشأن الأحداث المحورية، مثل دعم فكرة أن الولايات المتحدة كان مقدرا لها أن تتوسع غربا عبر أميركا الشمالية أو تأطير “الحرب على الإرهاب” على أنها صراع بين المسيحيين وغير المسيحيين بالقرن الــ 21.

ويقول مكدانيل إن حوالي 4 من كل 10 أشخاص فقط بالولايات المتحدة من المسيحيين البيض حاليا، ودفع التفكير في عدم كونهم أغلبية البعض إلى رؤية القومية المسيحية على أنها الطريقة الوحيدة لإعادة الأمة إلى المسار الصحيح.

وعادة ما تقيد القومية المسيحية وجهة نظر أتباعها حول من يمكن اعتباره أميركيا “حقيقيا” لتقتصر تلك الرؤية على الأشخاص البيض والمسيحيين والأميركيين المولودين في الولايات المتحدة، والذين تعود عائلاتهم إلى جذور أوروبية.

المنشقون والحواريون والعلمانيون

غالبية الأميركيين لا يعتنقون القومية المسيحية. ومع ذلك، فإن أصداءها تظهر في كل مكان في وسائل الإعلام الأميركية وعلى منابر الكنائس، وأيضا في مراسم “عهد الولاء” (تعبير عن الولاء لعلم البلاد) وشعار “نثق بالله” (In God We Trust) على أوراق الدولار، وحتى على لوحات الترخيص والمركبات الحكومية.

ويقول المؤلف إن كتابه رصد تمتع الأفكار القومية المسيحية بانتشار واسع النطاق. وطور الكتاب فكرة أشير إليها باسم “الاستثناء الديني الأميركي” واستخدم ذلك المنظور لتحليل استطلاعات الرأي التمثيلية على المستوى القومي والدولة من عام 2008 إلى عام 2020. وبناء على هذه البيانات، قام المؤلفون بتصنيف مواطني الولايات المتحدة إلى ثلاث مجموعات: المنشقون والعلمانيون والحواريين.

يرفض “المنشقون” فكرة امتلاك الولايات المتحدة لخطة ومؤسسة إلهية، ويعبرون عن فهم أكثر انفتاحا لما يعنيه أن تكون أميركيا. من بين العينات الممثلة على المستوى القومي (الأميركي) تتراوح نسبة هؤلاء من 37% إلى 49% من السكان.

على الطرف الآخر من الطيف، يؤمن “الحواريون” بقوة بالتأسيس الإلهي والرعاية الإلهية للولايات المتحدة، ويعبرون عن أفكار أكثر تقييدا حول من يمكن أن يكون أميركيا “حقيقيا” ومن يجب السماح له بدخول البلاد. من المرجح أن ترى تلك الفئة التي تمثل ما بين 10% و14% من السكان، المهاجرين، على أنهم تهديد للثقافة الأميركية، ويعبرون عن قلقهم بشأن انخفاض نسبة الأميركيين البيض والمسيحيين.

ويمثل من هم في الوسط “العلمانيون” ما بين 37% و52% من السكان. لقد أظهروا دعمهم للعديد من الآراء التي يتبناها الحواريون، مثل المواقف المعادية للمهاجرين، المعادية للسود، المناهضة للمسلمين، ولكن بشكل أقل حدة.

“مستهلكون جدد”

يمكن اعتبار السياسيين كرواد أعمال يبحثون باستمرار عن مستهلكين جدد، بحسب الكاتب، فقد وجد بعضهم جمهورا مخلصا بين “الحواريين” الذين يميلون إلى الانخراط في السياسة وهم حريصون على التصويت لمرشح من شأنه أن يعزز نظرتهم إلى الأمة.

نجح الرئيس السابق دونالد ترامب بشكل خاص في جذب الناخبين المتعاطفين مع الأفكار القومية المسيحية، من خلال تصوير نفسه على أنه مدافع عن المسيحيين “تحت الحصار”.

في يونيو/حزيران 2020، وفي خضم الاضطرابات التي اندلعت بسبب قتل الشرطة لأميركيين سود عزل، تم استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين للسماح للرئيس ترامب آنذاك بالتقاط صورته يحمل الكتاب المقدس أمام كنيسة القديس يوحنا الأسقفية في واشنطن العاصمة. كما ساعد عداءه الصريح للمسلمين على جلب القوميين المسيحيين من الأطراف إلى التيار الرئيسي، بحسب الكاتب.

وخلال الهجوم على مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021، تم عرض الصور التي تربط المسيحية بالأمة وبترامب، كجزء من مهمة إلهية أكبر. وفي أكثر الآراء القومية المسيحية تطرفا، يجب مواءمة الحكومة مع هذه الأيديولوجية، حتى لو كانت القوة ضرورية.

ووجد بحث المؤلفين أن 68% من “الحواريين” يتفقون على أن القوة قد تكون ضرورية للحفاظ على أسلوب الحياة الأميركي التقليدي.

وإذ يعبر معظم الحواريين عن دعم قوي للديمقراطية التمثيلية؛ يؤيد 48% من الحواريين فكرة الحكم العسكري، مقارنة بـ 6% من المعارضين.

وبحسب الكاتب، فإن جو الاستقطاب الحزبي المتزايد، حيث يتم تصوير المناقشات السياسية أحيانا على أنها بين الملائكة والشياطين الذين يدمرون البلاد، يوفر بيئة خصبة لهذه الأفكار.

ويختم بالقول إن ما يعنيه هذا للديمقراطية الأميركية غير واضح، ولكن بما أن بعض الأميركيين البيض والمسيحيين يخشون فقدان المكانة، فثمة اعتقاد بأن القومية المسيحية تعود -من جديد- في محاولة لاستعادة “أرضها المقدسة”.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى