منوعات

المنصات البديلة وحلول مشاكل نتفليكس وأخواتها | آراء

يقترب أحد العاملين في محل لتأجير أشرطة الفيديو من مشترٍ ينتظر استعارة فيلم سينمائي. يسأله إن كان قد حصل على الفيلم الذي يريده، فيجيبه بالإيجاب وهو يتأفف موضحا أنه سيصبح في حال أفضل حين يتحرك الطابور الطويل الذي يقف فيه انتظارا لدفع أجرة هذا الشريط.

حينها يظهر صوت مدير التسويق السابق في شبكة نتفليكس إريك زيغلر بعد هذه المشهد الأرشيفي، ليوضح معاناة الزبائن سابقا في محلات شرائط الفيديو التي لم تملك نسخا كافية من كل فيلم لتلبية طلبات الزبائن، ويوضح كيف أن شبكة نتفليكس حلّت هذه المشكلة في الفيلم الوثائقي “نتفليكس في مقابل العالم” من إخراج شون كاوثن وإنتاج عام 2020 وتعرضه شبكة أمازون برايم حاليا.

يُظهر الفيلم قصة تأسيس نتفليكس وكيف كانت الحاجة الاستهلاكية هي أمّ هذا الاختراع الذي نشأ في كاليفورنيا على الساحل الغربي للولايات المتحدة الأميركية، وشغل العالم ومشاهدي الأفلام خلال السنوات الماضية وحتى الآن. ومع تمدد الشبكة في الفضاء السينمائي والرقمي، طرحت عديدا من القضايا والإشكاليات خاصة في المجتمعات العربية، إذ كان الهاجس الأكبر للعرب حاليا ولا يزال هو الشق القيمي المتعلق بالأسرة والحفاظ عليها في مواجهة نوعية الإنتاج الذي تقدمه هذه الشبكة.

ومع احتدام النقاش وتوالي الأخبار حول هذه القضية، برز نقاش آخر يتعلق بالمنصات البديلة، سواء العربية منها أو الدولية، كبديل للمشاهد العربي الغاضب من نتفليكس.

لا تهدف هذه المقالة إلى الخوض في النقاش القيمي والعائلي الذي يحتاج لحديث منفصل، وإنما تهدف لتسليط الضوء على تفكيك خلطة نتفليكس الإنتاجية، وبالتالي الإجابة عن السؤال الذي بدأ يتردد بشأن ما إن كانت المنصات البديلة -سواء العربية أو غير العربية- قادرة على تعويض المشاهد العربي عن غياب نتفليكس أم لا؟ ولتبسيط الأمر، سنتحدث عن 3 عناصر رئيسية هي: التقنية، والجانب الإبداعي، وجدول البث.

من كلمات السرّ في خلطة نتفليكس الجذابة للمشاهد: معالجة السيناريو، أو التي أسميها قوة الحبكة. وربما يتذكر كثير من المشاهدين كيف أن هناك فيلما أو مسلسلا بإمكانيات إخراجية بسيطة، لكنه يحظى بشهرة تطبق الآفاق وينال إعجاب كثيرين

التطور التقني للبث المرئي

إن العملية الإنتاجية لأي عمل سينمائي هي عملية مركبة، فهي بداية مرتبطة بالتطور التقني وجودا وعدما، بمعنى أن كل تطور تقني يظهر على الساحة الإعلامية تظهر معه تحديات القيم والأخلاق والملاءمة. ينطبق هذا على ظهور التلفزيون والأسطوانات المدمجة “دي في دي” ومواقع الإنترنت وأخيرا المنصات الفيلمية الرقمية.

وبطبيعة الحال، فإذا كان منبت هذا الابتكار الجديد قد حدث في ظل ثقافة معينة، ويتم استهلاكه في إطار ثقافة أخرى، تظهر فوارق اختلاف الثقافات والعادات. ولهذا فإن نتفليكس نشأت بشكل رئيسي كاختراع تقني، من أجل حل مشكلة استهلاكية كما يوضح الفيلم المذكور أعلاه.

بعد ذلك، طورت الشبكة تقنيات وبرمجيات متقدمة، منها مثلا إمكانية توقيف المشاهدة عند مقطع معين على جهاز التلفزيون والعودة للمقطع ذاته على الحساب الشخصي في جاهز الهاتف المحمول لاحقا أو الحاسوب. وبالإضافة لاستخدام تقنيات الذكاء الصناعي في عدة مراحل ومستويات، منها مثلا استخدامه في الإنتاج لتحديد مواقع التصوير وأجور الممثلين، وهي تقنيات جديدة على قطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني.

كما أن لديها مختبرا لتطوير تقنيات البرمجة، وتشارك التطورات في هذا المجال مع عملائها عبر مدونة خاصة بهذا الأمر. الخلاصة في هذه النقطة هي أن التطوير التقني والبرمجة هي جزء رئيسي من تقنية عمل نتفليكس، وليس فقط الإنتاج المرئي الذي نشاهده. ولهذا فإن أي منصة تريد أن تنافس في هذه السوق عليها أن تفهم جيدا هذه التقنيات وتطبقها أو تبتكر وتضيف إليها تقنيات جديدة.

التطور الإبداعي

واكبت الشبكة أيضا أحدث التطورات في الجانب الإبداعي لمراحل إنتاج الأفلام والمسلسلات للسينما والتلفزيون، والتي شهدت تغيرات وطفرات. فعلى سبيل المثال، كانت ولا تزال فكرة العمل نفسها وكتابة السيناريو والحوار تعتمد إلى حد ما على الإبداع الذاتي للكاتب والسيناريست. الآن هناك جهد كبير يقوم به شخص أو مجموعة أشخاص للقيام بمهمة تطوير معالجة الفيلم أو المسلسل، وهو جهد مرتبط بالعملية الإنتاجية نفسها في منصة مثل نتفليكس وتحت إشرافها.

فالمنصة ليست فقط جهة إنتاج وبث، بل وإشراف تفصيلي على كل مراحل الإنتاج بشكل يفوق ربما الإشراف المتعارف عليه الذي تقوم عليه القنوات العامة والإخبارية التي تنتج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وهذا مختلف بالطبع عن الإنتاج السينمائي الذي لا تتدخل فيه قاعات العرض في عملية الإنتاج تماما.

إن من كلمات السرّ في خلطة نتفليكس الجذابة للمشاهد، هي معالجة السيناريو أو التي أسميها قوة الحبكة. وربما يتذكر كثير من المشاهدين كيف أن هناك فيلما أو مسلسلا بإمكانيات إخراجية بسيطة، لكنه يحظى بشهرة تطبق الأفاق وإعجاب كثيرين.

أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو مسلسل “طيف” التركي (Ethos) من إخراج بيركون أويا، والذي عرض عام 2020 على المنصة وأحدث دويا هائلا في تركيا والعالم، وتصدر مشاهدات نتفليكس. نجح المسلسل المكون من 8 حلقات فقط وبإمكانات إخراجية بسيطة، في الغوص عميقا في الشخصية التركية وتجسيد الصراع بين المتدينين والعلمانيين، وفجّر قضايا فكرية كبرى رغم قصته البسيطة عن عاملة تنظيف منزل وطبيبة نفسية. وهو توضيح لقوة الحبكة الخيالية وكيف يمكن أن تحقق نجاحا مضافا للدراما التركية التي لطالما اعتمدت على التاريخ والرومانسية في انتشارها. وبالتالي، فإن أي منصة جديدة لا تحترم عقلية المشاهد وتقدم خيالا جديدا في الإبداع السينمائي، لن تستطيع الصمود في هذا العالم الرقمي.

مسلسل “طيف” التركي أحدث دويا هائلة في تركيا والعالم وتصدر مشاهدات نتفليكس (مواقع التواصل)

جدول البث العام والخاص

لقد أحدثت نتفليكس ثورة في عالم الجدولة للبرامج التلفزيونية، فبعد أن كانت البرامج تسير بشكل مستمر من الصباح حتى المساء وعلى المشاهد أن يضبط مواعيده على البرامج أو المسلسل الذي يريده، أصبحت البرامج متاحة في أي وقت وأي مكان.

ووسط هذا الطوفان من الإنتاج، قامت الشبكة بتقسيمات جغرافية بحسب البلدان، بحيث تتيح أفلاما ومسلسلات في دول معينة في جدول عام كبير، ودليلها في ذلك بنك المعلومات الهائل التي تمتلكه عن المستهلكين. وباستخدام هذه البنك نفسه، تقدم ترشيحات لكل شخص على حدة بناء على الصورة البيانية التي رسمتها عنه من ناحية عمره وموقعه وما شاهده سابقا، باستخدام تقنيات الذكاء الصناعي.

سمحت نتفليكس حتى للمستخدمين باستخدام تقنيات “في بي إن” (VPN) لمشاهدة محتوى غير متوافر في موقعهم الجغرافي نظير شريحة اشتراك أعلى من العادية، وهذا يوضح لنا أن من الضروري لأي منصة جديدة أن تجد طريقة لضبط جدولتها على بوصلة المشاهد، باستخدام تقنيات مبتكرة وعدم ترك الأمر للدعاية أو الاستحسان الشخصي لكل مشاهد.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى