منوعات

الموازنة المصرية تدفع ثمن الاتفاق الجديد مع صندوق النقد | آراء

توقع صندوق النقد الدولي في تقريره عن الاقتصاد المصري الصادر الأسبوع الماضي زيادة العجز الكلي في الموازنة المصرية خلال العام المالي الحالي 2022-2023 -الذي ينتهي آخر يونيو/حزيران المقبل- إلى 746 مليار جنيه مقابل 558 مليار جنيه، حسب تقديرات وزارة المالية المصرية للعجز عند إصدار الموازنة بزيادة 188 مليار جنيه.

وجاء توقع زيادة العجز رغم توقعه زيادة إيرادات الموازنة بنحو 99 مليار جنيه، بسبب توقع زيادة المصروفات بنحو 304 مليارات جنيه عن تقديرات وزارة المالية؛ مما يؤدى إلى زيادة نسبة العجز الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.8%، مقابل نسبة 6.2% للعجز المتحقق في العام المالي السابق.

واستحوذت فوائد الديون الحكومية على النصيب الأكبر من زيادة المصروفات في موازنة العام المالي الحالي بنحو 215 مليار جنيه؛ لترتفع من 690 مليار جنيه حسب تقديرات وزارة المالية لها إلى 905 مليارات جنيه حسب الصندوق؛ وبذلك أصبحت فوائد الدين تشكل النصيب الأكبر بين أبواب مصروفات الموازنة الستة بنسبة 38%.

تلتها مخصصات الدعم بنسبة 17.5%، وكل من الاستثمارات الحكومية والأجور بنسبة 17% لكل منهما، وشراء السلع والخدمات المتجهة لإدارة دولاب العمل بالجهات الحكومية والمصروفات الأخرى التي يتجه معظمها للقوات المسلحة بنسبة 5% لكل منهما.

انخفاض الاستثمارات الحكومية 53%

وأكدت بيانات أداء الموازنة المصرية الفعلي خلال الشهور الأربعة الأولى من العام المالي الحالي، الصادرة عن وزارة المالية توقعات الصندوق بنمو قيمة العجز الكلي في الموازنة بنسبة 43%، وارتفاع قيمة فوائد الدين الحكومي بنسبة 23%، إلا أنها خالفت توقعات الصندوق في ما يخص كلا من الإيرادات والمصروفات، إذ انخفض إجمالي الإيرادات بنسبة 29% عما تم استهدافه خلال تلك الشهور؛ مما دفع وزارة المالية إلى خفض المصروفات بنسبة 9% عما كان مقررا لها.

داخل الإيرادات، انخفضت حصيلة الضرائب بنسبة 25% عما كان مستهدفا لها، والمنح بنسبة 71% والإيرادات غير الضريبية التي تمثل نصيب الموازنة من فوائض الجهات المملوكة للدولة من شركات وهيئات وبنوك بنسبة 53%.

وعلى الجانب الآخر، وداخل أبواب مصروفات الموازنة الستة، انخفضت مخصصات الاستثمارات الحكومية بنسبة 53%، وشراء السلع والخدمات للجهات الحكومية بتراجع 30%، والدعم بنسبة 25%، والأجور بنسبة 3%، والمصروفات الأخرى بنسبة 4%، لتنفرد فوائد الدين الحكومي بالزيادة بنسبة 23%.

وأسفر ذلك عن استحواذ فوائد الدين الحكومي على النصيب الأكبر من المصروفات خلال الشهور الأربعة بنسبة 45% من مجمل المصروفات، وتلتها الأجور بنسبة 21%، والدعم 14%، والاستثمارات الحكومية 9.5%، وشراء السلع والخدمات 5%، والمصروفات الأخرى 6%.

هكذا تسببت زيادة النصيب النسبي لفوائد الدين الحكومي من مجمل مصروفات الموازنة في 45%، مقابل 33% كانت مستهدفة عند وضع الموازنة، وتراجع النصيب النسبي لباقي أبواب مصروفات الموازنة مثلما حدث مع الاستثمارات الحكومية التي كان مستهدفا حصولها على نسبة 18%؛ لتنخفض إلى 9.5%، والدعم الذي كان مقررا حصوله على نسبة 17% لينخفض إلى 14%.

أثر سلبي لرفع الفائدة ومرونة سعر الصرف

تأثر أداء الموازنة ببنود الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي، الذي طالب البنك المركزي برفع سعر الفائدة لمواجهة التضخم المرتفع، وهو ما استجاب له البنك المركزي بعد فترة قصيرة حاول خلالها تثبيت سعر الفائدة، استنادا إلى أن التضخم المصري ناتج عن عوامل خارجية تخص ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وليس ناتجا عن زيادة الطلب كما يرى الصندوق، إلا أنه رضخ لمطلب الصندوق وقام برفع الفائدة بمعدلات قياسية أكثر من مرة.

كان وزير المالية ذكر خلال عرض موازنة العام المالي الحالي بالبرلمان أوائل مايو/أيار الماضي أن رفع سعر الفائدة بنسبة 1% يزيد تكلفة فوائد الدين الحكومي بنحو 28 مليار جنيه، وبعد تصريحه زاد البنك المركزي الفائدة بنسبة 2% في مايو/أيار الماضي، ثم بالنسبة نفسها في أكتوبر/تشرين الأول، مما ظهر أثره في ارتفاع قيمة الفوائد من 230 مليار جنيه كانت مستهدفة خلال الشهور الأربعة الأولى من العام المالي إلى 282 مليار جنيه.

كما قام البنك المركزي برفع آخر للفائدة بنسبة 3% في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وينتظر قيامه برفع الفائدة أكثر من مرة خلال باقي شهور العام المالي الحالي الذي ينتهي آخر يونيو/حزيران المقبل، مما يمكن معه تحقق توقعات بلوغ قيمة الفائدة 905 مليارات جنيه خلال العام المالي، حسب الصندوق.

يؤثر رفع الفائدة على الموازنة من ناحية أخرى، حين تسبب في زيادة التكلفة على الصناعة وتراجع مبيعاتها، في ظل حالة الركود بالأسواق، وكذلك اتجاه عدد من المصنعين إلى إيداع ما لديهم من أموال بالبنوك، للاستفادة من أسعار الفائدة العالية التي وصلت إلى 25% لبعض شهادات الادخار، مما يؤدي إلى خفض الحصيلة الضريبية من تلك الشركات الصناعية والتأثير على إيرادات الموازنة.

الأمر الثاني الذي أثر سلبا على الموازنة هو طلب الصندوق الالتزام بسعر صرف مرن منذ بدء المفاوضات معه في مارس/آذار الماضي، وهو ما دفع البنك المركزي إلى خفض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار أكثر من مرة، منذ ذلك الحين وحتى النصف الأول من الشهر الحالي، وكان وزير المالية في نهاية أغسطس/آب الماضي ذكر أن قيمة الدين الخارجي على الحكومة وحدها يبلغ 83 مليار دولار.

وأن كل زيادة بقيمة واحد جنيه بسعر صرف الجنيه أمام الدولار تزيد قيمة الدين الخارجي للحكومة مقوما بالجنيه المصري بنحو 83 مليار جنيه، وكان سعر الصرف وقتذاك 19.22 جنيها للدولار، وبلغ منتصف الشهر الحالي 29.61 جنيها للدولار، وبما يعني زيادة الدين الخارجي مقوما بالجنيه بنحو 862 مليار جنيه، مما يؤثر على قيمة مدفوعات الأقساط للدين الخارجي.

بيع حصص من الشركات يقلل الإيرادات

كذلك دفع الصندوق الحكومة لبيع حصص من الشركات العامة لصناديق سيادية خليجية، كوسيلة منه لدفع الحكومة لتنفيذ مطلبه بخصخصة عدد من الشركات منذ اتفاقه مع مصر عام 2016، والذي لم يتحقق في السنوات الماضية، مستغلا حاجتها للحصول على موارد دولارية، وهو ما تم بالفعل منذ أبريل/نيسان الماضي، ويتوقع استمراره خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث توقع الصندوق -حسب تقريره الأخير عن الاقتصاد المصري- بلوغ الحصيلة 8.7 مليارات دولار خلال تلك الفترة، أي ما يعادل 258 مليار جنيه بأسعار صرف منتصف الشهر الحالي.

هذا الأمر سيحرم الموازنة من الحصول على كامل أرباح تلك الشركات الحكومية، حيث ستذهب نسبا من تلك الأرباح إلى المشترين الجدد، بعد أن خسرت الموازنة أرباح العديد من الشركات الحكومية التي ضمها صندوق مصر السيادي إليه، وأصبحت أرباحها تؤول إليه، وحتى عندما سيبيع حصصا منها فستؤول حصيلة البيع إليه؛ مثل بنك القاهرة الذي بلغت أرباحه عام 2021 نحو 3.631 مليارات جنيه ويجهز لبيع حصة منه قريبا.

إلى جانب توجه القيادة السياسية بمصر إلى تكوين صناديق بالجهات الحكومية، كما صُرح أواخر الشهر الماضي بتكوين صندوق بوزارة الإسكان بلغت أرصدته نصف تريليون جنيه، وصندوق بوزارة الصحة بلغت حصيلته 70 مليار جنيه، وصندوق بهيئة قناة السويس بلغت حصيلته 70 مليار جنيه، وربما هناك جهات أخرى قامت بعمل صناديق لم يتم الإعلان عنها بعد؛ مما يعني عدم حصول الموازنة على فوائض الهيئات الاقتصادية التابعة لتلك الجهات كما كان يحدث منذ عام 1973.

حيث تتبع وزارة الصحة عدة هيئات اقتصادية، هي: هيئة التأمين الصحي الشامل التي بلغت أرباحها في العام المالي 2020-2021 نحو 15.122 مليار جنيه، وهيئة التأمين الصحي التي بلغت أرباحها 5.402 مليارات جنيه في العام المالي نفسه، وهيئة الشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي التي بلغت أرباحها 1 مليار جنيه.

وتتبع وزارة الإسكان هيئات اقتصادية، هي: هيئة المجتمعات العمرانية التي بلغت أرباحها 5.172 مليارات جنيه في العام المالي 2020-2021، وهيئة تعاونيات البناء والإسكان وصندوق تمويل المساكن التي تبيعها وزارة التعمير، وكانت أرباح هيئة قناة السويس بلغت 47 مليار جنيه في العام المالي 2020-2021، وهي آخر بيانات منشورة لأداء الهيئات الاقتصادية.

وبذلك تفقد الموازنة إيرادات فوائض تلك الهيئات الرابحة، بينما تظل ملتزمة قانونا بمعاونة الهيئات الاقتصادية الخاسرة من خلال المساهمات والإقراض، والتي تخطت قيمتها في موازنة العام المالي الحالي 23 مليار جنيه ضمن الباب السابع بالإنفاق المخصص له نحو 30 مليار جنيه.

يظل الأثر الأهم لكل ما سبق من زيادة للعجز في الموازنة هو أثره السلبي على المواطن المصري نتيجة نقص اعتمادات الاستثمارات الحكومية بتأخر تنفيذ المشروعات المقررة في مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة، وكذلك تدني الخدمات المقدمة في المستشفيات والمدارس والجهات الحكومية، نتيجة نقص تمويل شراء السلع والخدمات اللازمة لأداء عملها، وخفض الدعم السلعي والغذائي والخدمي، ومحدودية زيادة الأجور بما لا يتناسب مع معدلات التضخم المرتفعة، إلى جانب زيادة الدين العام الذي ستدفع تكلفته الأجيال القادمة.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى