العالم

جدل الإفطار علنا في نهار شهر رمضان بين “حماية الحريات الفردية” و”صون عقيدة المجتمع”


000 BK9SN

نشرت في:

اعتقلت الشرطة المغربية الأربعاء عشرات الشباب داخل مقهى في مدينة الدار البيضاء بتهمة “الإفطار علنا في نهار رمضان”، وذلك استنادا إلى مواد القانون الجنائي، الذي يعاقب المجاهرين بالإفطار من المغاربة دون عذر شرعي، بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية من اثني عشر إلى 120 درهما. وعلى الرغم من أن الشرطة القضائية أطلقت سراح جميع الموقوفين بعدما استمعت إليهم في محاضر قانونية وأخضعتهم للتحقيقات التمهيدية التي أمرت بها النيابة العامة، فإن الحادثة خلفت جدلا واسعا، وقسمت المجتمع المغربي إلى فريق مؤيد للمقاربة القانونية في معالجة الموضوع، وآخر دعا إلى احترام حريات الأفراد وعدم التضييق على اختياراتهم الشخصية.

تجدد جدل احترام الحريات الفردية في المغرب عقب حادث إلقاء الشرطة الأربعاء القبض على مجموعة من الشباب المغاربة داخل مقهى بمدينة الدار البيضاء، بتهمة “الإفطار العلني” في نهار رمضان، والتي يعاقب عليها القانون الجنائي. وفي الوقت الذي أشاد فيه البعض بتدخل عناصر الأمن معتبرا أنه ضروري “لحفظ العقيدة الجماعية للمغاربة وحماية الشعور الديني للمجتمع”، ندد آخرون بالخطوة واصفين إياها “بالانتهاك الصارخ للحريات الفردية”.

وأوقفت الشرطة نحو 50 شابا وشابة كانوا يتناولون الطعام خلال ساعات الصيام، ومعهم العاملون وصاحب المقهى، وأحالتهم إلى التحقيق، قبل إطلاق سراحهم.

بين الحريات الفردية والعقيدة الجماعية

رغم التزام المغرب في دستور 2011 بأولوية تطبيق المواثيق الدولية على القوانين المحلية، بما في ذلك مسألة الحريات والحقوق الأساسية، تلاحق السلطات المجاهرين بالإفطار العلني نهار رمضان طبقا لما هو منصوص عليه في المادة 222 من القانون الجنائي المغربي، والذي “يعاقب كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي وجاهر بالإفطار في نهار رمضان في مكان عمومي دون عذر شرعي، بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية من اثني عشر إلى 120 درهما”، الأمر الذي يجعل الموضوع محط نقاش قانوني.

وعشية شهر رمضان، دعت “الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية” المعروفة اختصارا بـ “مالي” مرة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى إلغاء المادة 222 من القانون الجنائي المغربي. إذ بالنسبة لنشطاء هذه الحركة، فهي ليست دعوة لعدم احترام شهر رمضان أو عدم الصوم، وإنما خطوة في مسار الدفاع عن مبدأي الحرية والضمير الفرديين. في هذا السياق، تقول الناشطة في الحركة ابتسام لشكر: “نحن لا ندعو الناس إلى تناول الطعام في الأماكن العامة، ولكننا نطالب بإلغاء المادة 222، وندعو إلى حرية الضمير”.

ميلود بلقاضي، رئيس المرصد المغربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية، يرى أن المغرب كباقي الدول العربية، مازال يعرف تحديات مرتبطة بالقوانين الجنائية سواء على مستوى التشريع أو على مستوى التطبيق، وبخصوص المادة 222 فإنها في نظره، تحد بصورة مباشرة من الحريات الفردية.

وأضاف بلقاضي أن “القاعدة القانونية ترتكز على شيئين اثنين، الإلزام ثم الجزاء، لكن في المقابل وجب استحضار جوانب أخرى من أجل فهم جيد لهذا النص، فقد وضع في سياق معين من تاريخ المغرب، علما أن القوانين في زمن تشريعها الأول تكون متقدمة على المجتمع، وبعد مرور الوقت تصبح متخلفة عنه، لذلك لا يمكن أن نقارب المادة قانونيا ودستوريا فقط، فالمشكل في رأيه مرتبط بالجانب السوسيولوجي، لأن المغرب اليوم لم يعد مجتمعا منغلقا، فقد باتت الحريات الفردية مطلبا مجتمعيا، كما أضحى الجدل حول الإفطار علنا في نهار رمضان يتجدد كل سنة مع حلول الشهر، ثم إنه يجب أن نميز بين الفضاءات المغلقة التي لا دخل للدولة فيها، وبين المرفق العام الذي تعتبر الدولة مسؤولة عنه، وبالتالي التدخل لمنع الإفطار في الفضاءات العمومية، نظرا لأن دستور البلاد ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، بناء على تقديرها الحيلولة دون وقوع ضرر معنوي لحرية الآخرين، وبخاصة أن للأمر تداعياته الخطيرة، لأننا في مجتمع متعدد الأقطاب، فيه المسلم المعتدل والمسلم المتطرف وغيرهما، ويمكن أن يتحول الأمر إلى فتنة وأن يؤدي إلى العنف، وهو ما يفسر حيرة وتردد الدولة المغربية بين تطبيق المقتضيات الدولية وتنفيذ القانون المحلي وحماية الحريات الفردية”.

في مقابل ما ذهب إليه بلقاضي، يعتبر المفكر والناشط الحقوقي أحمد عصيد أن المادة 222 من القانون الجنائي المغربي صار متقادما، إذ إنه في نظره يتعارض مع الدستور ومع التزامات الدولة المغربية ومع تحولات المجتمع المغربي، فهو نص يعود إلى 1962، ومن يعتمده اليوم في معاقبة المغاربة على اختياراتهم الشخصية لا يريد أن يعترف لا بالزمن ولا بالتاريخ، كما أن هذا الفصل يتضمن تناقضات صارخة، فهو يتحدث عن “كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي” وهي صيغة غريبة حسب عصيد، الهدف منها أن تسمح السلطة لنفسها باعتبار المغاربة كلهم مسلمين رغما عنهم ومنذ الولادة، دون أن يكون لهم أي اختيار في ذلك، وذلك حتى لا تتيح الفرصة لأحد من المواطنين أن يقول إنه ليس مسلما وليس ملزما بالصيام، ويدخل في ذلك الأجانب من الدول الإسلامية الأخرى، نظرا لعمومية منطوق النص.

 من جهة أخرى، قال توفيق الميموني، رئيس لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب إنه ليس مطروحا الآن أي مقترح لتعديل المادة 222 في القانون الجنائي المقبل، نظرا لما يمكن أن يحدثه الأمر من بلبلة وانفلات داخل المجتمع المغربي، حيث غالبية المغاربة يؤيدون الإبقاء عليها، مضيفا أن هناك أولويات أخرى أكثر أهمية وإلحاحا سيتم النظر فيها بهدف توسيع هامش الحريات في البلاد.

جدل فقهي

يقول الباحث في الفكر الإسلامي، محمد عبد الوهاب رفيقي إن المفارقة الغريبة تتمثل في كون مادة تجريم الإفطار التي يفترض أن الغاية منها صون عقيدة المجتمع، أكثر تشددا في هذا الباب من الفقه الإسلامي التقليدي، ولو عدنا إلى كل المراجع والمذاهب الفقهية بما فيها الأكثر تحفظا، لن نجد عقوبة للمفطر في رمضان ولو كان متعمدا، في مقابل وجود كفارة فقط.

ويضيف رفيقي مفسرا ارتباط الصيام عند المغاربة بالعادة والتقاليد أكثر منه بأساس ديني فيذكر أن: “المفطرين لأعذار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا يفطرون علنا أمام الناس، ولم يكن ينكر عليهم أحد ذلك، ولم يكن أحد يلزمهم بالصيام أو يجبرهم على الإفطار متوارين”. ويضيف المتحدث: “إن الركن الأعظم بعد الشهادتين في الإسلام هو الصلاة، وهي أولى من الصيام، لكن لا أحد ينكر على من لا يصلي، في حين أن المفطر نهار رمضان يتعرض لشتى أنواع المضايقات، وهذا يفسر أن الدوافع ليست دينية ولكنها ثقافية مرتبطة بالعادات المجتمعية”.

من جهة أخرى، يقول رفيقي إن القانون موضوع الجدل وضعه الجنرال هوبير ليوطي، حين عين مقيما عاما من قبل سلطات الحماية الفرنسية في المغرب، بهدف إظهار الاحترام للمعتقدات الدينية وكسب ود الناس وتجنب الاصطدام معهم كما حدث لمَّا كان مسؤولا عسكريا في الجزائر.

بعد الاستقلال حافظت السلطات المغربية على التشريع وضمنته في أول قانون جنائي سنة 1962، رفيقي يرى أن لهذا الأمر سببين اثنين، أولهما إضفاء الشرعية الدينية على نظام الحكم، خاصة بعد إطلاق صفة أمير المؤمنين على العاهل المغربي وتضمينها رسميا في دستور البلاد، وثانيهما تهميش وإقصاء التيارات اليسارية التي كانت تحمل أفكارا ثورية معارضة لأسلوب الحكم.

من جهته، يرى أحمد عصيد أن السلطة المغربية، تستعمل مفاهيم وعبارات فقهية إسلامية في محاسبتها للمغاربة، ما دامت تعتبرهم كلهم مسلمين، مثل عبارة “تجاهر بالإفطار”، وعبارة “بدون عذر شرعي” كذلك، أي أن كل مغربي هو مسلم بالضرورة ولا يجوز له الإفطار نهارا إلا بعذر شرعي، أما العقوبة التي قد تصل إلى ستة أشهر فهي أقسى عقوبة في المنطقة كلها، مقارنة بدول الجوار، مما يظهر بوضوح أن هذا الفصل من القانون الجنائي لم تعد له أية صلة بواقعنا المعاصر.

يضيف المتحدث أن الأنكر من ذلك هو قدرة السلطة على تجاوز مقتضيات النص نفسه واستعماله بدون مراعاة ما ينص عليه، كاستعماله ذريعة للقمع مثلما حدث في أحد المقاهي بالأمس، فالذين يأكلون يوجدون داخل الفضاء الخاص، مما يسقط عنهم تهمة “المجاهرة بالإفطار”، ورغم ذلك ألقي عليهم القبض، لأن المواطنين ما داموا يعرفون بأن السلطة تسمح باضطهاد من لا يصوم في رمضان فهم يتجرأون على الوشاية بكل من يخالفهم في الاختيارات العقدية لدى الأجهزة الأمنية، وهذا معناه أن السلطة باستمرارها في استعمال هذا النص، تتسبب في إشاعة العنف وعدم التسامح بين المواطنين، بينما الاختيار الصحيح هو احترام الحريات وعلى رأسها حرية المعتقد بناء على الحق في الاختلاف، وهذا هو الذي يخلق الاحترام المتبادل بين الجميع ويخلق مناخ السلم الاجتماعي عوض مناخ الخوف الذي يسود حين حلول شهر رمضان كل سنة، والذي يتحول إلى نظام عام وسط حالة استنفار مستمرة”.

في مقابل ما سلف، يرى لحسن بن ابراهيم سكنفل رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة بالمغرب، أن الشخص الذي يدعي أنه حر في أن يعلن إفطاره تحت مسمى الحرية، يعتدي على حرية الآخرين، وهم الأغلبية، والدولة باعتبارها حارسة للسلم الاجتماعي، حامية للشعور العام، من واجبها حماية هذا الشعور العام وفق القوانين الجاري العمل بها. وبلدنا شعبه مسلم في أغلبيته الساحقة، وملك البلاد هو حارس للشريعة حام للدين باعتباره أميرا للمؤمنين وباعتبار الإسلام دين الدولة”.

ويضيف سكنفل: “من أراد الافطار أفطر في بيته ولا أحد يسأله، لأن هذا أمر يعينه وسيحاسب عليه ويسأل عنه عند لقاء الله، أما أن يتطاول بجرح شعور المسلمين والمسلمات فهذا مخالف للحرية، بل هو اعتداء على الحرية، أي حرية المسلمين في هذا البلد في أن يصوموا رمضانهم دون أن يجرح شعورهم بأي مظهر من مظاهر انتهاك حرمة هذا الشهر”.

ويتابع منتقدا: “هؤلاء مدعون،  دعواهم باحترام حريتهم في الإفطار باطلة، فهم يفطرون في بيوتهم ولا أحد يسأل عنهم، ولكن غايتهم هو إيذاء الخلق بذلك السلوك المشين، والدولة من مسؤوليتها ومن واجبها باعتبار الإسلام دينها الرسمي، أن تحمي الشعور الديني للمواطنات والمواطنين”.

الإفطار العلني في باقي الدول الإسلامية… إجماع حول المنع

إلى جانب المغرب، يستجد النقاش حول الإفطار علنا نهار رمضان، في عدد من الدول الإسلامية، مثل تونس، حيث أثارت واقعة مماثلة لما حدث في المغرب نقاشا مجتمعيا واسعا الأسبوع الماضي، دفع عددا من المنظمات والجمعيات إلى التنديد بما وصفته “التعدي على الحريات الفردية”، وذلك بعد إيقاف عدد من المواطنين بولاية منوبة على خلفية إفطارهم علنا في نهار شهر رمضان.

وطالبت الجمعيات في بيانها السّلطات بالكف عن ملاحقة وإيقاف المفطرين، كما دعت إلى تقديمهم للمثول أمام العدالة في حالة سراح، نظرا لكونهم لا يمثلون أي خطر على السلم العام، ولضمان حقهم في محاكمة عادلة.

ورغم أنه لا توجد في تونس قوانين تجرّم الإفطار العلني في شهر رمضان، يمكن للسلطات أن تبادر باتخاذ إجراءات قانونية ضد المفطرين علناً بتهمة “الإخلال بالآداب العامة”.

الأمر نفسه ينطبق على مصر، حيث تنعدم قوانين تجريم الإفطار علنا نهار رمضان، إلا أن السلطات تستند في إلقاء القبض على “المجاهرين بالإفطار”، إلى روح دستور البلاد الذي يلزم المواطنين بصيانة أخلاق المجتمع واحترام أعرافه وتقاليده، لذلك تضطر النيابة العامة إلى إخلاء سبيل المتهمين في كل مرة، بعد تصنيف الفعل “كتناول المشروبات الكحولية والمسكرة في غير الأماكن المخصصة لها”.

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة فيعتبر الإفطار علنا نهار رمضان جريمة يعاقب عليها القانون الاتحادي رقم 3/1987 في مادته 313 بالحبس مدة لا تزيد عن شهر أو بغرامة لا تتجاوز 2000 درهم.

حمزة حبحوب


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى