منوعات

حبر الشاشات المطفأة.. من أجل رواية أخرى عن السينما السورية | ثقافة

“إن الوضع الاستثنائي الذي نعيشه لا ينطوي على فرص عامة للتغيير في أحوال السينما السورية عموما، بل إن السينما تحتاج إلى تغيير جذري في الوضع السوري برمّته؛ سياسيا واقتصاديا وإداريا، لكي تنطلق نحو آفاق جديدة ومختلفة”.

كانت تلك إحدى النتائج المخيبة للآمال التي خلص إليها الباحث والناقد السوري علي سفر في مؤلفه “حبر الشاشات المطفأة: تحرّي أحوال السينما السورية ونقدها”، وذلك بعد عقدين من الزمن أمضاهما في بحث أحوال السينما السورية، ومطالعة أرشيفات المؤسسة العامة السورية للسينما وإصداراتها، وإجراء الحوارات مع عشرات المختصين والفاعلين في الحقل بغرض الإجابة عن أسئلة وصفها بالملحّة عن كون سوريا بلدا بلا سينما وبلا “منابر نقدية فاعلة”.

ويمتد الكتاب -الصادر حديثا عن دار موزاييك للدراسات والنشر- إلى 212 صفحة من القطع المتوسط، يؤرّخ فيه الباحث لولادة السينما والنقد السينمائي وتطورهما في سوريا على امتداد 5 عقود، مسلّطا الضوء على مجموعة من القضايا المتعلقة بهذه الصناعة لا سيما الأثر السلبي للرقابة والتدخل السياسي المتناقض مع أهم المبادئ التي يقوم عليها الفن الهادف (حرية التعبير)، إلى جانب تحرّيه أحوال السينما السورية في العقود الماضية وفي ضوء التحولات العميقة التي شهدها المجتمع السوري بعد ثورة مارس/آذار 2011.

ولادة السينما ومقصلة الرقابة

يستهلّ الناقد بحثه بفصل حمل عنوان “السينما السورية في مواجهة طواحين الهواء”، وجاء بمنزلة إطلالة على مراحل ولادة السينما السورية منذ منتصف القرن الـ20 حتى استحداث المؤسسة العامة للسينما في عام 1965.

فكان لوصول حزب البعث إلى السلطة في عام 1964 دور إيجابي في ترسيخ السينما بوصفها صناعة، غير أنه ما لبث أن تحول إلى دور سلبي مع صدور التقييدات المختلفة على أصحاب صالات العرض الخاصة، وحصر استيراد أشرطة الأفلام بالمؤسسة العامة، ومحاولة توجيه المخرجين وغيرهم من الفاعلين لخدمة أجندة الحزب.

ومع ذلك، رأى سفر أن تلك المرحلة كانت العهد الذهبي للسينما السورية، فقد تمكن بعض مديري المؤسسة من زيادة إنتاج الأفلام، واستطاع بعض المخرجين التلاعب على الرقابة وتجاوز محدداتها بحنكتهم.

وكان تسلّم حافظ الأسد منصب رئيس الجمهورية في عام 1970 إيذانا بانتهاء هذا العهد وبداية آخر ستعاني فيه السينما من شروط الإنتاج الموجه والممنهج لخدمة الأغراض الدعائية للسلطة، إلى جانب المنع والتعتيم على الأفلام التي لا تتناسب وسياسة النظام.

فخضعت الأفلام المُنتجة بمعظمها للمعايير الصارمة التي حددتها المؤسسة، وكانت البداية مع منع فيلم “الحياة اليومية في قرية سورية” للراحلين عمر أميرالاي وسعد الله ونوس، واستمر مسلسل المنع عقودا، وكان من أبرز ضحاياه فيلم “نجوم النهار” للمخرج أسامة محمد، وفيلم “حادثة اغتيال” لنبيل المالح.

أما النقد السينمائي السوري فتأخرت ولادته إلى عام 1978، حين أصدرت المؤسسة مجلة “الحياة السينمائية” فكانت أول مجلة سينمائية متخصصة في البلاد تُقدّم مواد تُعنى بتشريح بنية الفيلم السينمائي والبحث في عناصره، وترمي إلى مواكبة الإنتاج السينمائي.

ولكن تلك المواكبة كانت خجولة وافتقرت فيها المجلة إلى المقالات النقدية “الجدّية” التي تتناول المشروعات السينمائية السورية مقارنة بتلك التي كانت تتناول الأفلام المصرية والعربية، وربما كان مردّ ذلك إلى العقلية التي أدارت بها المؤسسة العامة المجلة بتجنبها كلّ ما قد “يثير شك السلطات”، حسب سفر.

وتكرر سيناريو إهمال المشاريع السينمائية السورية مع سلسلة الفن السابع -من إصدار المؤسسة- فكانت التجارب النقدية للمشاريع السورية ضمن إصداراتها أكثر تواضعا من أن تكون أعمالا توثيقية أو نقدية حقيقية، فضلا عن افتقارها إلى المراجع والمصادر الأكاديمية، حسب ما جاء في الكتاب.

ويلخص سفر المشكلة بقوله إن “التعاطي مع المحتوى السينمائي بغير هدى أو خطة هو أحد نتائج غياب الإستراتيجية التي حكمت عددا كبيرا من إصدارات الفن السابع”، مشيرًا إلى أن التجارب النقدية السورية بمعظمها حملت سمات موحدة كغياب المنهجية في العمل النقدي وانطلاق النقاد من “رؤى شخصية”، وذلك ما جعل الكتابة النقدية أشبه بالعمل الصحفي الترويجي طوال عقود.

سينما بلا نقاد أم نقاد بلا سينما؟

ويخصص الناقد الفصل الثاني من كتابه لتحقيق صحفي مطول يستعرض فيه العديد من الحوارات التي أجراها على مدار عقدين مع عدد من الفاعلين في حقل السينما السورية من مخرجين ونقاد وغيرهم، ليطرح عليهم السؤال المركزي للتحقيق: سينما بلا نقاد أم نقاد بلا سينما؟

وبصدد إجابته عن هذا التساؤل، يناقش الشاعر والروائي السوري خليل صويلح حال الإنتاج والنقد السينمائيين في سوريا قبل اندلاع الثورة، ليخلص إلى أن النقد كان بحاجة إلى “النص النقدي”، وبمنأى عن تجارب سورية عدة مهمة فإن الإنتاج السينمائي كان واقعا تحت سطوة مؤسسة مترهلة لا تكاد تنتج فيلما في عام كامل، وفي المقابل تحكم قبضتها على الصالات السينمائية التي لا تعرض إلا أفلاما عفا عليها الزمن بأشرطة رديئة، مؤكدا أنه “في ظل واقع كهذا لا يمكننا الحديث لا عن سينما ولا عن نقاد”.

ويشير المخرج والناقد صلاح دهني إلى حقيقة يصفها بـ”الجارحة” مفادها أن واقع المشهد الإبداعي في سوريا مرٌّ لا سينما فيه ولا نقاد؛ فالسينمائيون محكمون بظروف اقتصادية ورقابية قاهرة، أما النقاد فـ”العين بصيرة واليد قصيرة” إذ لا يفعلون شيئًا سوى “التهليل”.

أما الناقد نضال قوشحة فيرى أن حركة النقد السينمائي تقتضي بالضرورة إنتاجا سينمائيا مستقرا، وعروضا متنوعة ومتتالية، وفعاليات دورية من مهرجانات وندوات وغيرها، وهو ما ينطبق عربيا على الحالة المصرية فقط، أما سوريا فتفتقر إلى أكاديميات عامة وخاصة وإلى صحافة حرة مستقلة، وهذا الحال منذ انقلاب حزب البعث عام 1963 الذي منع الصحف والمجلات الثقافية والفنية.

ومع أن الباحث كان جمع في هذا الفصل حوارات أُجريت مع نقاد ومخرجين وفاعلين سينمائيين من حقب زمنية مختلفة، إلا أنهم أجمعوا بأغلبيتهم على الرأي القائل إنه لا سينما ولا نقاد في المشهد السوري.

ويشاطر سفر محدثيه الرأي، فيقول للجزيرة نت “أعيد كلام الزملاء: هي سينما بلا نقاد وهم نقاد بلا سينما، وأضيف أنها بلا جمهور دؤوب في متابعتها تاريخيا، لأنها بالأصل صناعة غير ذات ديمومة”.

ويضيف “لهذا سنحتاج في سوريا إلى البحث في شروط تلقي الفيلم السوري من قبل الجمهور، ودراسة وضع الصالات في عموم البلاد من حيث الجدوى، بخاصة أن وضعها يحتاج إلى إصلاح وتغيير على المستوى التقني، وهذه كلفة يجب أن توضع ضمن تكاليف إعادة الإعمار أيضًا، فهي ضحية كارثة الاستبداد التي ضربت البلاد على امتداد أكثر من نصف قرن، وقد أوضحت في الكتاب بعضا من تفاصيل دورها في تخريب الحالة السينمائية أو على الأقل قتل الحلم السينمائي السوري”.

الناقد والمؤلف والباحث السوري علي سفر (الجزيرة)

الشرخ السينمائي

ومن جهتها، تعزو الباحثة والمخرجة إيناس حقي تردّي واقع الصناعة السينمائية السورية على المستويين الإبداعي والتأثيري إلى سياسات النظام الحاكم في سوريا، الذي عمل منذ البداية على “مدّ أذرعه الأمنية في كل مجالات الحياة”، إلى جانب انتهاجه النهج السوفياتي في إدارة الثقافة والفنون في البلاد.

وفي ضوء هذا النهج، لا تُنتَج إلا المحتويات التي تُعنى بتبييض صورة الرموز السياسية لتلك الأنظمة، أما النقد فبقي حكرًا على ما تصدره المؤسسة العامة للسينما كمجلة “الحياة السينمائية” التي رُمِيَتْ أعدادها في مستودعات وزارة الثقافة من دون أن تصل للناس، حسب حقي.

وكان للثورة السورية في مارس/آذار 2011 الأثر الأكبر فيما أطلقت عليه حقي “شرخ السينما السورية” إلى إنتاجين: إنتاج موالٍ للنظام “استقبل دوليا ببرود” مقابل إنتاج ثوري وصلت أفلامه إلى أهم وأرفع المهرجانات في العالم كفيلم “إلى سما” للمخرجة السورية وعد الخطيب الذي حصد جوائز قيمة وترشح لجائزة الأوسكار (2019).

وأما بخصوص أثر هذا الشرخ في فن السينما، فيرى الناقد والروائي الفلسطيني سليم بيك أنه “ما دام الجمهور السوري منقسما إلى داخل وخارج؛ فالمعايير السياسية والأخلاقية هي التي ستحكم المشهد السينمائي وليست تلك الفنية أو الجمالية”.

وذلك ما يتفق معه علي سفر، فيقول للجزيرة نت “هناك داخل متعدد حسب القوى المسيطرة على الأرض وامتثال السينمائيين لها أو خروجهم على سلطاتها، وهناك خارج متعدد أيضًا بحسب تعدد المنافي وتنوع مشارب صنّاع السينما، وفوق كل هذا وذاك ثمة ميول الجمهور ذاته التي لا تؤخذ في الحسبان في القراءة النقدية الراهنة لأن تحرّيها يحتاج لجهد كبير”.

ولكن على الجهة الأخرى -وخلافًا للبيك- يرى سفر أن “الشرط الفني والجمالي حاضر غير أنه يتردى أحيانًا ويرتقي في أخرى، لهذا فإن دور الاستقطاب السياسي واضح جدا، لكن علينا دراسة الجوانب غير المنظورة لنرى تأثيرها أيضًا، كعدد المشاهدات في الصالات وعدد الحضور على المنصات الإلكترونية وغير ذلك”.

وفي مجمله، كان مؤلَّف “حبر الشاشات المطفأة” محاولة من الناقد علي سفر للبحث عن رواية أخرى للسينما السورية يمكن بها ربط تاريخ وتحولات هذا الفن/الصناعة المؤثرة بتعقيدات الواقع، ليخلص إلى أن إشكالات السينما السورية هي إشكالات تُسقَط على كل المجالات الفنية الأخرى في البلاد نتيجة لما مرت به على مدى نصف قرن.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى