العالم

سينما اليوتيوب ودور المنصة في إنتاج وعرض الأفلام | آراء

يقف رائد فضاء داخل مقصورة مركبته الفضائية ناظرا أمامه إلى الكون الفسيح الذي يظهر مرصعا بالنجوم. تسير مركبته الفضائية ويبدو أمامها أحد الأقمار الصناعية وكأنه يقود سفينة بحرية. وما إن يغلق النافذة الأمامية لمركبته عبر سياج معدني ويبدأ العد التنازلي للهبوط، حتى ترتج المركبة بشدة. حينها تظهر يدا رجل ثانٍ يؤدي له رائد الفضاء التحية، ثم يظهر باب آخر للمركبة يتم فتحه ليظهر رائد فضاء ثالث بزي مختلف يأخذ الشخص الذي لا نرى سوى يديه في جولة بالمركبة الفضائية. ينبعث وميض أبيض إيذانا بعملية تعقيم آلية تقوم به أجهزة إلكترونية لجسد رائد الفضاء الثالث قبل أن يستعرض تفاصيل مركبته التي بناها في مسلسل “في الفضاء مع ماركي بلير” من أعمال يوتيوب الأصلية هذا العام.

يقدم المسلسل سلسلة أحداث خيال علمي في قالب كوميدي، بطلها الشاب ماركي بلير أحد المؤثرين من صناع المحتوى في الولايات المتحدة والذي يمتلك قناة على يوتيوب، وينحدر من مدينة هونولولو التابعة لجزر هاواي الخاضعة للسيادة الأميركية. ويعد المسلسل أحد الأعمال الأصلية التي تقدمها منصة يوتيوب لجمهورها العام الحالي. كما تقدم المنصة أعمالا أخرى تستهدف جمهورا واسعا تشمل قوالب فنية مختلفة مثل مسلسلات الخيال العلمي والبرامج الحوارية والأفلام. وهي تختلف عن المحتوى الذي يقوم المشتركون بتحميله على قنواتهم الخاصة بأنها من إنتاج ورعاية يوتيوب نفسها.

حتى الآن لا توجد مؤشرات عن إنتاج عربي أصلي تقدمه منصة يوتيوب، لكن المفاجأة أن يوتيوب أقدمت منذ عدة سنوات على مشروع مشترك مع غوغل للحفاظ على التراث السينمائي العربي من الأفلام، وتقدم حاليا أكثر من 1500 فيلم عبر منصة خاصة على يوتيوب باسم “يوتيوب أفلام” باللغة العربية

سابقا حاولت يوتيوب أن تكون هذه الخدمة ضمن مزايا خدمة الاشتراك الشهري أو السنوي المعروفة بيوتيوب بريميوم، التي تعفي فيها المشتركين من ظهور الإعلانات ضمن مزايا أخرى، لكن أتاحت المنصة هذه الأعمال الأصلية للجمهور مجانا مع وجود الإعلانات فيها. وهي بذلك تقدم نوعا مختلفا من المواد الفيلمية تنافس فيها المنصات الأخرى مثل نتفليكس وهولو وأمازون برايم وغيرها، لكن على أرضية مختلفة. فهي تريد أن تأخذ الجمهور إلى مساحة إبداعية أخرى تتراجع فيها جودة الإنتاج مقارنة بهذه المنصات لحساب قضايا أخلاقية واجتماعية وإنسانية. فمثلا، مسلسل “الشروط والأحكام” يعرض أصوات عدة شباب في بريطانيا وأيرلندا، يستكشفون أنفسهم من خلال الموسيقى بعد حدثين كبيرين هما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وجائحة كوفيد-19.

وضمن هذه السياسة الإنتاجية، تنتج يوتيوب أعمالا أصلية أخرى موازية موجهة للأسرة والأطفال بشكل رئيسي. وقد أنتجت مسلسل “إغلاق” أثناء حالة الإغلاق العام التي صاحبت جائحة كوفيد-19. يعرض المسلسل مغامرات مجموعة من المراهقين المعزولين في منازلهم ويشعرون بالملل. يحاول المراهقون حل لغز يتعلق بأحد الجيران، لكنهم يتعرضون جميعا للخطر بسبب ذلك. ويعتمد المسلسل بشكل رئيسي على حوارات تدور بين الشخصيات عبر الإنترنت مثلما هي الحال مع تطبيق زووم ليعطي الانطباع بشكل التواصل الذي كان سائدا في تلك الفترة.

إنتاج يوتيوب الأصلي باللغة العربية

حتى الآن لا توجد مؤشرات عن إنتاج عربي أصلي تقدمه منصة يوتيوب، لكن المفاجأة أن يوتيوب أقدمت منذ عدة سنوات على مشروع مشترك مع غوغل للحفاظ على التراث السينمائي العربي من الأفلام، وهي تقدم حاليا أكثر من 1500 فيلم عبر منصة خاصة على يوتيوب باسم “يوتيوب أفلام” باللغة العربية. القيمة التي تقدمها هذه المنصة أنها قسمت الأفلام بحسب النوع مثل الدراما والحركة والكوميديا، وبحسب الممثل الرئيسي، وبحسب المخرجين. كما أفردت مساحة خاصة للأفلام المقسمة بحسب الكاتب، ولكن يبدو أن هذا القسم الأخير لم يكتمل لأنه يشمل كاتبين فقط هما نجيب محفوظ وأبو السعود الإبياري. الأمر كذلك ينطبق على تصنيف الأفلام من حيث السنوات، إذ تتيح القناة فقط تقسيما لأفلام الخمسينيات والثمانينيات.

الميزة الكبرى التي تقدمها هذه المنصة أن لديها أفلاما بجودة عالية وتمتلك يوتيوب حقوق بثها. الأمر الذي يعني أنها لن تُمحى مع مرور الوقت مثل كثير من الأفلام التي يتم تحميلها على قنوات يوتيوب الخاصة وتتم إزالتها آليا لمخالفتها قواعد البث العام، واعتبارها نوعا من القرصنة والتعدي على حقوق الملكية الفكرية للمنتجين والموزعين.

أما الشيء السلبي الوحيد في هذه المبادرة هو أنها لم تأتِ من قبل المؤسسات العربية الرسمية وغير الرسمية التي كان منوطا بها اتخاذ مثل هذه المبادرات للحفاظ على التراث السينمائي وضمان وصول الجمهور العربي إليه في أي وقت وأي مكان. كما أن المنصة التي انطلقت منذ عدة سنوات لا تحظى بنسبة مشاهدة عالية مقارنة بالمواد الفيلمية الأخرى على يوتيوب. وهذا أمر يرجع ربما إلى عدم الدعاية الكافية لها. ولن يكون هناك لوم بالطبع على شركتي يوتيوب وغوغل في التقصير في الدعاية، فيكفيهما أخذ زمام المبادرة في المشروع ابتداء.

تدل هذه المشروعات والمبادرات وغيرها على ضعف التفاعل العربي مع إمكانيات منصة يوتيوب والتي تتطور وتتغير باستمرار. إذ لا يزال الجمهور العربي يتعامل مع يوتيوب كمنصة لنشر المقاطع أو كمنصة وسيطة بينه وبين صناع المحتوى أو القنوات الفضائية. ومؤخرا تم اكتشاف إمكانية جني المال عن طريق إنشاء قنوات يوتيوب والاستفادة من الإعلانات، فأقبل كثيرون على إنشاء قنوات وتقديم مواد مختلفة أملا في الربح عبر زيادة أعداد المشتركين. غير أن في المنصة كثيرا من الإمكانيات التي لم يكتشفها الجمهور العربي حتى الآن.

إن التطور المتسارع في آليات وتقنيات البث المرئي وعرض المواد الفيلمية عبر الإنترنت، يستدعي مواكبة حثيثة سواء من الجمهور أو الجهات الحكومية وغير الحكومية للتفاعل معه. فأهمية هذه المنصات تتعاظم يوما بعد آخر، ودافع نشر المواد المرئية الذي تطور من عرض مجموعة فيديوهات إلى إنتاج محتوى خاص من قبل المؤثرين، ووصل إلى استخدام القنوات الفضائية له كمنصة لها امتد وشمل التوثيق التاريخي للتراث السينمائي وسيمتد لأغراض أخرى في المستقبل.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى