منوعات

ضرورة تقويم الفعل السياسي بعيدًا عن تبريرات الحركيين (2) | آراء

في مقال سابق، ناقشت إعلان حركة المقاومة الإسلامية حماس نيتَها إعادة العلاقة مع نظام الأسد، والجدل حول ذلك بين الإسلاميين، خاصة المجلس الإسلامي السوري والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأوضحت أن هذا الموقف يعكس سياسة مستمرة للحركة شملت وقائع عديدة تتصل بالعلاقة بإيران وحلفائها: حزب الله وحركة الحوثيين في اليمن. وقد تناول مقالي الأول المسألة من منظور العلاقة بين السياسي والديني.

أما هذا المقال الثاني فيناقش معايير تقويم الفعل السياسي من منظور إسلامي، وهكذا يتناول المقالان إشكالية الممارسة السياسية لدى الحركات والأحزاب الإسلامية أو “ذات المرجعية الإسلامية” كما يفضل بعضهم تسميتها. وقد تأخر المقال الثاني بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة. وفي الأيام القليلة الماضية أعلنت تركيا -بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي- نيتها المصالحة مع نظام الأسد أيضًا، كما أعلنت هي وإسرائيل تبادل السفراء، وصرح وزير الخارجية التركي -أثناء ذلك- بأن تركيا ستواصل الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

تفرض هذه التطورات تعقيدات جديدة على المشهد السياسي والحركي الإسلامي خاصة؛ لأنها تضعنا -مجددًا- أمام السؤال عن معايير تقويم الفعل السياسي، وغايات الممارسة السياسية في وعي الإسلاميين الذين يُفتَرض بهم أنهم يتميزون عن نظائرهم من السياسيين الآخرين، بل إن هذه التعقيدات تثير تساؤلات أيضًا حول مقولات المقاومة والتطبيع والركون إلى الظالمين، والمعايير المزدوجة في العمل السياسي كشن الهجوم على تطبيع المغرب والإمارات والتماس الأعذار لتطبيع تركيا مثلا.

في تقويم الفعل السياسي، لا بد أن نميز بين التبرير والتقويم الأخلاقي؛ إذ يتم عادة الخلط بينهما لدى المتحزبين لهذه الحركة أو تلك من الإسلاميين، فيجتهدون في سوق المبررات التي تحاول تسويغ الفعل السياسي وتحاشي أي انتقاد قد يُوجه إليهم، مما يجعل من مزية “الإسلامي” في الممارسة السياسية هو نوع المبررات واللغة التي يستخدمها لا المضمون الأخلاقي الذي يقدمه في ممارسته السياسية. ويمكن توضيح هذه النقطة من خلال 5 أمور:

الأمر الأول: أن ثمة مسافة تفصل بين من يتكلف المبررات للفعل السياسي ومن يتخذ القرار داخل الدولة أو الحركة؛ فالاستدلال لصواب الفعل السياسي الصادر يأتي في مرحلة لاحقة على حيثيات صناعة القرار نفسه من حيث الزمان، كما أن من يتكلف صياغة المبررات من مشايخ ومتحزبين ومتعاطفين ليس هو من اتخذ القرار نفسه، والأصل الشرعي والأخلاقي المُجْمع عليه أن من يُقدم على فعل لا يجوز له الإقدام عليه حتى يتضح له حكمه أولًا قبل الإقدام عليه.

الأمر الثاني: مرونة الحجج والاعتبارات المسوقة للقول بصواب فعل سياسي معين صادر عن حركة أو حزب إسلامي؛ إذ إنها يمكن أن تبرر -في الوقت نفسه- أفعال خصومهم السياسيين؛ إذا صوبنا النظر باتجاه الحجج والأفعال المستخدمة وغضضنا الطرْف عن هوية الفاعلين، ومن ثم فمقولات المصلحة والضرورة وغيرهما تصلح -أيضًا- مسوغات لمشايخ السلطة الذين وقفوا ضد الثورات، وتُخل بأساس الفعل السياسي الثوري نفسه، وإلا بما سيختلف اضطرار حركة أو حزب ما للتصالح مع نظام الأسد -مثلًا- عن اضطرار مشايخ آخرين رأوا مصالح محددة في اصطفافهم معه من دون التورط في دعم القتل بشكل صريح ومباشر؟

الفعل السياسي الصادر عن حزب أو حركة إسلامية يقع في مأزق العلاقة بين المرجعية الإسلامية والأطر الحزبية والحركية لاتخاذ القرار التي يفرضها العمل الحزبي، أي ثنائية الشكل والمضمون

هنا سنضطر إلى مناقشة معايير المصلحة المشروعة وغير المشروعة، وما مسوغات شرعية اضطرار مجموعة مخصوصة من دون سائر المجموعات؟ وهنا لا يمكن القول إن “الفلسطينية” -مثلا- استثناء، بحيث يجوز لها ما لا يجوز لغيرها؛ لأن “الفلسطينية” ليست معيارًا أخلاقيًّا يُحتَكم إليه، بل إنما تكتسب شرعيتها من قيمة العدالة التي هي المبدأ الأعلى الذي ترجع إليه.

الأمر الثالث: حرص بعض الإسلاميين على إحاطة مسوغات الفعل السياسي الصادر عن حركة إسلامية بالغموض والسرية؛ بحجة أن مثل هذه القضايا لا تناقَش في الفضاء العام، والسؤال المطروح هنا: هل ينطبق هذا على الفعل السياسي للإسلاميين فقط أم يشمل كل فعل سياسي بما في ذلك أفعال خصومهم السياسيين؟ الخيار الأول سيعني انتقائية، والخيار الثاني سيضع معارضة الإسلاميين للسلطة القائمة في مأزق.

ثم إنه يجري التغافل هنا عن مستويات متراكبة في تقويم الفعل السياسي، تبدأ بمسوغات صناعة القرار السياسي، وتنتهي بالحق في مناقشة وتقويم أي قرار سياسي صادر عن حركة أو حزب أو سلطة في الفضاء العام؛ لأنه ما دام فعلًا سياسيًّا فهو فعل يمس أطرافًا مختلفة ومن حقها مناقشته؛ لأنه يمسها أو يمس مصالحها. فتقويم الفعل السياسي هنا له صلة بأمرين:

  • أن من طبيعة الفعل السياسي في الأنظمة الحرة أنه فعل عام لا خاص، ومن حق المعنيين به مناقشته.
  • أن أخلاق المسؤولية -بطبيعتها- أخلاق جماعية وتشاركية، وتوزَن بمآلاتها وآثارها على الآخرين، وما دام الفعل السياسي سيترك آثارًا على حيوات الآخرين فمن حقهم تقويمه، كلٌّ بحسب موقعه: تخطئةً وتصويبًا، من جهتي الواقع والواجب.

الأمر الرابع: أن الفعل السياسي الصادر عن حزب أو حركة إسلامية يقع في مأزق العلاقة بين المرجعية الإسلامية والأطر الحزبية والحركية لاتخاذ القرار التي يفرضها العمل الحزبي، أي ثنائية الشكل (formality) والمضمون؛ فصدور قرار وفق القنوات والأطر التنظيمية يعني شرعيته التنظيمية، ولكن ذلك لا يتطلب مشروعيته الإسلامية والأخلاقية بالضرورة، لأن مؤهلات وكفاءة مكونات هذه الأطر الحزبية والحركية لها دورها في تقويم القرار أو الحكم بصوابية الفعل السياسي المعين.

الأمر الخامس: محاولة “شخصنة” الفعل السياسي بحيث تصبح صوابية الفعل مرهونة بثقتنا في القائمين على العمل ليس إلا، أو كون الفاعل واحدًا منا أو من جماعتنا، أو أن يتم التهجم على منتقدي الفعل نفسه تحت ذرائع شتى بعيدًا عن مناقشة الفعل نفسه وتماسك مسوغاته؛ فهوية الفاعل لا مدخل لها في تقويم الفعل السياسي وصوابيته، وإلا سنكون أمام نوع من الذاتية أو الاعتباطية الأخلاقية التي تجعل من أفعال جماعتنا فقط أخلاقية، وتدفع إلى “شيطنة” أفعال خصومنا المفترضين.

فتقويم الفعل السياسي يندرج ضمن الأخلاق التطبيقية؛ فهو نقاش حول معايير ومسوغات هذا الفعل السياسي أو ذاك، وما إذا كان هذا الخيار هو الأفضل بين الخيارات المتاحة أو الأقل سوءًا بين الخيارات السيئة المتاحة التي لا يوجد خيار جيد بينها، أي مبدأ تحصيل خير الخيرين وتجنب شر الشرين. وهذا يعني أن التعلل بالبرغماتية أو النزعة العملية لا يكفي لإضفاء المشروعية على كل فعل سياسي؛ لأن الصفة العملية لا تقتضي بالضرورة الصفة الأخلاقية، والفعل السياسي يتحرك -في الغالب- بين عدة خيارات، بل إن مسؤولية السياسي الناجح أن يوسع -دومًا- دائرة الخيارات بحيث لا ينحصر في فعل واحد، ومن ثم فإن التقويم الأخلاقي يفرض اختيار أفضل تلك الخيارات أو أقلها سوءًا، وهنا يتم إعمال التعليل الأخلاقي وحل المعضلات الأخلاقية التي يواجهها الفاعل السياسي الذي عليه دومًا أن يوازن بين الواجب والواقع في سياق محدد، وهذه الموازنة إنما تتم من خلال أمرين:

  • ربط الواجب بالقدرة؛ فالواجب هو الممكن فعله، وقد قلت: إن السياسي الناجح لا يحصر نفسه في خيار واحد أو ما يسمى منطق الضرورة، ومن ثم يتعين عليه الاختيار بين ممكنات عدة وفق معايير قويمة.
  • وربط الواجب بالخيار الذي يضمن تحصيل مصلحة عامة (لا حزبية أو فردية) من بين الخيارات الأخرى المتاحة، أو تقليل الشرور ما أمكن.

وسأفصل في مقالي القادم -بمشيئة الله- في معايير تقويم الفعل السياسي من خلال مناقشة مثال حماس أيضًا.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى