منوعات

عبّروا للجزيرة نت عن مخاوفهم من إعادتهم لبلادهم.. السوريون في لبنان ورقة سياسة وتفاوض | سياسة

بيروت – يركض أطفال مخيم “بحنين” للاجئين السوريين في عكار شمالي لبنان، كهاربين من ضجر صيف يكوي أجسادهم النحيلة، وهم لم يعرفوا وطنهم الأم، فقط أطلوا على الحياة في تلك الخيم المتهالكة، ويبحث آباؤهم بصعوبة عن سبل للبقاء في بلد يعاني في معيشته، مع تصاعد أصوات تطالب بترحيلهم.

يخبرنا أبو أمجد القادم من حمص منذ 2013، عن ريبته حين سمع بخطة لبنان لإعادة السوريين. ويقول إن العودة حلم يتمنون بلوغه. لكن “من يذهب للموت بأقدامه؟”.

يخاف الرجل على أبنائه الثلاثة الذين بلغوا سنّ الخدمة العسكرية، ويداري قلقه على نفسه من التعذيب كمطلوب للاعتقال، ويروي قصصا عن جارات جرى اغتصابهن، ورجال عادوا لسوريا فـ”اختفوا ولا نعرف عنهم شيئا”.

وفي خيمة أخرى، يصف أبو مالك اللاجئ من ريف حلب منذ 2012، العودة “بالانتحار أمنيا ومعيشيا”. ويقول “إذا كان لا بد من الرحيل “فليكن لدولة ثالثة، لأننا في لبنان نعجز عن توفير نفقات الغذاء والمسكن والطبابة”.

ويضيف أبو مالك متحدثا للجزيرة نت “لا أثق أن سوريا آمنة، أجرى النظام سابقا مصالحة بدرعا ثم اعتدى عليها، والتجارب تؤكد أن تجنيد أبنائنا وسفك دمائنا قدر يطاردنا هناك”.

الأطفال السوريون في لبنان لا يعرفون وطنا لهم خارج الخيم المتهالكة (الجزيرة)

ويستطرد جاره محمد “فليعد إلى سوريا مؤيدو النظام الذي يدعي توفير مناطق آمنة، أما نحن فلا أمن ولا عيش لنا تحت مظلته”.

وعند أطراف المخيم، يتحدث خضر، وهو ناشط سوري يعمل مع منظمات غير حكومية داخل المخيمات، عن وضعها المعيشي المتدهور على وقع الأزمات اللبنانية، “إذ صار أكثر من 70% من أبنائها عاطلين عن العمل”.

ويرصد خضر باحتكاكه مع اللاجئين أسباب رفضهم للعودة، ومنها:

  • الخوف من الخدمة العسكري وظروفها الخطيرة في ظل سيطرة النظام على أجزاء واسعة من سوريا ووجود قوى مسلحة أخرى مثل “قسد” في مناطق سيطرتها شمال البلاد.
  • تدني المستوى المعيشي بسوريا أكثر من لبنان.
  • صعوبة الاندماج بالمجتمع السوري بعد الحرب، فمعظم اللاجئين دمرت منازلهم، ويرفضون العودة للخيم تحت سيطرة الجيش والقوى المسلحة.
  • الذاكرة الجماعية للحرب التي تسببت بمقتل معارفهم وأفراد عائلاتهم، بما يفاقم مشاعرهم السلبية تجاه العودة غير المقرونة بالمحاسبة والعدالة والمصالحة الحقيقية.

مسار التخبط

وتعززت مخاوف اللاجئين السوريين مع تحريك لبنان ملف عودة النازحين قبل أشهر، وسرعان ما انفجرت الخلافات على المستوى الرسمي، فعكست تخبطا بلغ مستوى الصراع على شرعية الإمساك بالملف.

وبعد إعلان وزير المهجرين بحكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين، عن خطة رسمية تتضمن برنامجا لإعادة 15 ألف سوري شهريا، وزيارته سوريا منتصف أغسطس/آب الجاري لبحث تلك الخطة؛ تصاعدت بيانات مضادة حول الصلاحيات بينه وبين ووزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار.

ويقول شرف الدين إنه توجه إلى سوريا بتكليف رسمي من الرؤساء الثلاث، في حين يقول الوزير الحجار إن اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة ملف “إعادة النازحين السوريين إلى بلدهم”، أكدت أن وزارته هي المسؤولة المباشرة عنه.

خطة لبنان لإعادة اللاجئين

ويعقب الوزير شرف الدين للجزيرة نت بالقول “بعد نجاح وزارتي بالخطة والعودة من سوريا، يبدو أن الرئيس ميقاتي خضع لضغوط خارجية، ويسعى لسحب الملف مني، وأحمله مسؤولية تاريخية بحال فشلها”.

ويتهم شرف الدين مؤسسات المجتمع الدولي وواشنطن برفض الخطة لأسباب سياسية تتعلق بنفوذها في سوريا وقلق الاتحاد الأوروبي من موجة لجوء لدولها مقابل تحميل لبنان ما يتجاوز طاقته.

ويقول إنه عند لقائه وزير الإدارة المحلية السوري حسين مخلوف ووزير الداخلية محمد الرحمون، تبلغ أن السقف مفتوح لعودة دفعات شهرية، “بوجود نحو 480 مركز إيواء شاغرا لاستقبال نحو 220 ألف سوري، مع توفير الدولة السورية التقديمات والتسهيلات، كإعادة التوظيف والعفو الرئاسي لمن حمل سلاحا أو مارس عملا معارضا، وتسوية أوضاع المتخلفين عن الخدمة العسكرية”.

ويوضح أن الجانب السوري طلب منه إجراء إحصاءات بالمخيمات لإعادة كل أبناء منطقة على حدا.

ويقول شرف الدين “هناك 80% من الأراضي السورية تحت سيطرة الدولة، ونحو 20% تحت سيطرة أميركا وتركيا والتنظيمات المسلحة، ووجودهم غير شرعي، وسنعيد فقط المنحدرين من المناطق التابعة للنظام”.

مخيم بحنين - الجزيرة نت
تستند الحكومة اللبنانية في خطة إعادة السوريين إلى بلدهم على عدم توقيع لبنان على اتفاقية اللجوء الدولية سنة 1951 (الجزيرة)

خطة رسمية أخرى

وينفي مصدر رسمي بوزارة الشؤون الاجتماعية الصفة الرسمية عن خطة وزارة المهجرين، ويكشف للجزيرة نت عن خطة رسمية موحدة أخرى تعمل عليها اللجنة الوزارية مجتمعة، ويقول إن خطواتها العملية ستظهر قريبا، وعنوانها الأساسي “تطبيق قوانين الدولة اللبنانية على النازحين السوريين”.

ومن أمثلتها الإجرائية، يعطي المصدر نموذجين:

  • الأمن العام اللبناني، الذي لا يعترف بأي سوري غير مسجل لدى المفوضية، رصد وفق إحصاءاته مع الجيش وجود نحو 400 ألف سوري يتنقلون شهريا بين لبنان وسوريا، وهؤلاء لا يعتبرهم نازحين لامتلاكهم حرية التنقل، وسيعمل على ترحيلهم، أو تسوية أوضاعهم كأجانب يجب أن يحصلوا على إقامة ويدفعوا ضرائب مقابل استثماراتهم وعملهم.
  • تعمل الخطة على تسوية أوضاع السوريين في السجون، لترحيلهم إلى سوريا.

ويفيد المصدر أن الخطة لم يجر بحثها رسميا مع الجهات الدولية، كما لم تحظ خطة شرف الدين بموافقة اللجنة، و”أي زيارة رسمية لسوريا ستكون لفريق رسمي من اللجنة يمثل مختلف الوزارات والجهات الأمنية المعنية بالملف”.

أسباب التخبط

وتستند الحكومة في خطة إعادة السوريين إلى بلدهم على عدم توقيع لبنان على اتفاقية اللجوء الدولية سنة 1951، وتعتبر أنها غير مجبرة على الالتزام بها.

فلبنان يمنح السوريين صفة “نازحين” وليس “لاجئين”، كونه لم يوقع على اتفاقية اللجوء الدولية، في حين يشدد خبراء على عدم الصحة القانونية لمصطلح “النازحين”، ويعتبرون أن السلطات تتذرع بالتسمية لمنع التوطين، بينما الاعتراف بصفة اللجوء لا يعني توطينهم لاحقا. كما أن وصف السوريين بـ”النازحين” يحرمهم من حقوقهم كالحماية من الترحيل، ويخفف مسؤولية رعايتهم من قبل الدولة اللبنانية.

ويُقدّر عدد السوريين المقيمين بلبنان بـ 1.5 مليون لاجئ، ومعظمهم لا يملكون أوراقا نظامية، ونحو 20% يعيشون داخل عشرات المخيمات المتوسطة والصغيرة. وأغلبهم ينحدر من مناطق معارضة، مثل حمص وحلب وإدلب وريف دمشق الجنوبي والشرقي وحماة ودرعا، وظروفها وفق خبراء غير مشجعة للعودة.

وهنا، يرى الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، أن ظهور تخبط رسمي حول الخطة، هو امتداد لتخبط عام على مستوى الدولة والمسؤولين، و”التنصل من كل إجراء ينتج عنه جدل وضغوط داخلية ودولية”.

ويتحدث عن عدة عوامل تمنع المضي بأي خط لعودة اللاجئين:

  • عدم وجود إحصاء حقيقي لعدد النازحين بلبنان.
  • غياب التفاوض الجدي بالملف من جهة لبنانية واحدة، وتبدل الخطط بتبدل الحكومات والوزراء.
  • غياب الشفافية والمصداقية بموقف النظام السوري حول ضماناته واستعداداته لاستقبال العائدين، وتبدو أولويته إحداث تحولات ديمغرافية كبرى بالمجتمع السوري.
  • أي خطة عودة جدية تقوم على مثلث اتفاق بين الدول المضيفة ودولة النازحين والمجتمع الدولي، وهو غير متوفر بحالة لبنان.

ويذكر حمادة أن تاريخ العلاقات اللبنانية السورية محفوف بالأزمات الأمنية والسياسية، وأن إشكالية التطبيع بينهما تظهر مع كل ملف. ويعتقد أن زيارة الوزير شرف الدين لسوريا كان هدفها الصورة السياسية فحسب، “في حين الرئيس ميقاتي لا يعارض تطبيع العلاقات مع النظام، لكنه يناور بملف العودة داخليا وعربيا ودوليا”.

الوزير شرف الدين_ أحمل ميقاتي مسؤولية تاريخية اذا فشلت خطتي لعودة السوريين - الجزيرة_
الوزير شرف الدين: أحمّل ميقاتي مسؤولية تاريخية إذا أخفقت خطتي لعودة السوريين (الجزيرة)

من جانبه، يقول مهند الحاج علي، الكاتب والباحث بمركز كارنيغي، إن خطة العودة أشبه بورقة تفاوضية للبنان مع الجهات الدولية، لرفع مستوى المساعدات المادية، بتحميل اللاجئين جزءا كبيرا من مسؤولية الانهيار الاقتصادي والمعيشي.

ويتحدث الباحث عن أن خطط العودة لها تداعيات سلبية مثل خلق حساسيات بين اللبنانيين والسوريين، وتعزير خطاب الكراهية، الذي يتصاعد بنحو غير مسبوق والتحذير من التوطين رغم استحالته.

وفي البعد الحقوقي، ترى سحر مندور، الباحثة اللبنانية بمنظمة العفو الدولية، أن الأخيرة ترفض أي عودة خارج آلية أممية ترعى الشروط الآمنة للعودة.

وتقول للجزيرة نت إن عدم توقيع لبنان على اتفاقية اللجوء، لا تعفيه من مسؤولياته الإلزامية بمعاهدات أخرى، وأبرزها توقيعه سنة 1984 على اتفاقية “مناهضة التعذيب”. وتنص مادتها الثالثة أنه لا يجوز لدولة طرد شخص أو تسليمه لدولة أخرى، إذا توافرت أسباب تدعو للاعتقاد أنه سيتعرض للتعذيب.

وترى مندور أن الأمن الشخصي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي بنية أساسية لشروط العودة، و”طالما لا يوجد قدرة على تقييم الوضع الميداني السوري بمراقبة أممية، فإن كل أشكال العودة غير آمنة ولا تراعي سلامة الأفراد وحقوق الإنسان”.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى