منوعات

عقب أخيل.. كيف ستخرج البرازيل وإنجلترا وفرنسا والبرتغال من المونديال؟

لا شك أن العرس المونديالي الذي نترقب بدايته خلال ساعات هو حدث فريد يجذب أعين العالم بأسره، لذا لا عجب أن الترشيحات بشأن الفائزين والخاسرين تستمر في التردد على ألسنة المشجعين قبل انطلاق البطولة وطوال أيامها. وحتى بعد أن تنتهي البطولة، سرعان ما يبدأ المشجعون في توقع مسار البطولة القادمة بناء على ما رأوه من المنتخبات التي شاركت في النسخة التي انتهت للتو.

في هذا السياق، نشر الموقع الشهير “بليتشر ريبورت (Bleacher Report)” منشورا على فيسبوك تتوقع فيه شركة “إي إيه سبورتس (EA Sports)” الشهيرة فوز منتخب الأرجنتين بالمونديال هذا العام، مؤكدا أن الطريقة التي توقعت بها الشركة فوز الأرجنتين هي الطريقة ذاتها التي توقعت بها الفائزين الفعليين بالنسخ الثلاث السابقة أعوام 2010 و2014 و2018. بشكل مماثل، توقع الحاسوب الخارق الخاص بموقع أوبتا وصول البرازيل والأرجنتين إلى النهائي هذا العام، حيث حققت الدولتان الاحتمالية الأكبر للوصول إلى النهائي بنسبة 25,7% و22,1% على التوالي، فيما توقع الحاسوب فوز البرازيل بالكأس بنسبة 17% تقريبا(2)(3).

ورغم ذلك، يظل لكل بطل خارق نقطة ضعفه، أو “عقب أخيل” الخاص به، فسوبرمان يخضع أمام الكريبتونايت، وقلب آيرون مان هو ثغرته، وحبل الحقيقة الخاص بووندر وومن قد يُخضع صاحبته. المنتخبات المرشحة هم أبطالنا الخارقون في هذا التشبيه، ولكل منهم عقبه على غرار أخيل، والذي قد يمنعه من الفوز بالذهب الغالي(4).

البرازيل.. الثقة ضد الكفاءة

على الرغم من عمل تيتي الكبير مع السيليساو، فهو أيضا ثغرته الوحيدة تقريبا. (غيتي إيميجز)

“أحيانا ما يكون المرء عدو ذاته”، ربما لا يوجد عنوان أفضل من هذا لبدء الحديث عن السيليساو، فالفريق لديه جودة طاغية في جميع المراكز تقريبا، وهو أحد المنتخبات القلائل في البطولة التي نستطيع أن نقول عنها ذلك. لكن كعادة الحياة، لا تعطيك كل شيء، فعلى الرغم من عمل تيتي الكبير مع السيليساو، فهو أيضا ثغرته الوحيدة تقريبا. هل نقصد أن تيتي سيئ؟ ليس بالضرورة، ونحن نعلم أن طريقة عمل مدربي المنتخبات لا تسمح بالتعقيدات التكتيكية ذاتها كما الأندية، وهذا بشكل كبير يعود لواقع أن تجمعات المنتخبات تحدث كل فترة، وليس أسبوعيا أو يوميا.

الأمر في المنتخبات يتعلق أكثر باختيار الأفراد المناسبين لتنفيذ ما يريد المدرب تطبيقه على أرض الملعب. تيتي يبحث دوما عن تدوير الكرة على الأرض أكثر مما يريد أن تكون في الهواء، وهذا يظهر في نسبة التمريرات الطولية التي يقوم بها لاعبو البرازيل جميعهم التي لا تتجاوز 5,61% من إجمالي التمريرات؛ ما يجعل البرازيل واحدا من أقل المنتخبات استخداما لهذا النوع من التمريرات من بين جميع المنتخبات المشاركة في المونديال(5).

الأمر لم يتوقف عند ذلك، فالفريق سلس جدا في وصوله لمنطقة جزاء الخصوم، وبجانب اعتماده على التدوير الأرضي جانبيا، فهو أيضا يعتمد على تمركزات نيمار في مناطق متأخرة نسبيا لكي يتلقى التمريرة العمودية من الدفاع، ومن ثم يستغل مهاراته التقنية ليتخطى الخصم وينتقل من مرحلة التدرج إلى الإنهاء، ونتيجة لذلك، يعد الفريق من أعلى الفرق المشاركة في المونديال من حيث معايير الأهداف، والأهداف المتوقعة، وعدد اللمسات للكرة داخل منطقة جزاء الخصم لكل 90 دقيقة.

65
كاسيميرو ليس أفضل ممرر أو موزع للعب، ومع فريق يستحوذ على الكرة كالبرازيل ولديه أسلوب سلس في التمرير. (رويترز)

إذن، ما المشكلة هنا تحديدا؟ المشكلة في الربط بين الخطوط، والذي يجبر تيتي على استغلال نيمار في وضعيات كالتي ذكرناها، فعلى الرغم من امتلاك الفريق لبرونو غيماريش، والذي قد يتصرف بشكل أفضل مقارنة بكاسيميرو الذي ينقل الكرة للخلف في العديد من الوضعيات (شاهد الصور في الأسفل)، فتيتي لم يشركه أساسيا في تصفيات كأس العالم سوى في مناسبتين من أصل 6 مناسبات لعب فيها مع البرازيل بالفعل في التصفيات. تيتي يريد كاسيميرو وفريد في وسط الميدان بشكل أساسي، فهو يريد الأول بسبب نقاط قوته الجسمانية التي تمكنه من الفوز في الصراعات، والثاني بسبب التزامه التكتيكي في تحرير الظهير الذي يلعب ناحيته.

11111 1

22222 2

ربما لا نرى ما يراه تيتي هنا، ولا يسيء أحد فهمنا، فنحن لا ننتقد اختيارات المدرب لأن هذا ليس مكاننا، ولا نُفضّل لاعبا على الآخر بشكل مطلق، ولكننا نتحدث عن أسلوب لعب ربما لا يتناسب مع اللاعب الذي يختاره المدرب أثناء الحيازة؛ فكاسيميرو ليس أفضل ممرر أو موزع للعب، ومع فريق يستحوذ على الكرة كالبرازيل ولديه أسلوب سلس في التمرير، نظن أن برونو سيكون الخيار الأكثر منطقية على المستوى التكتيكي.

البرتغال.. العقل هو العقب

شأنه شأن نظيره البرازيلي، يمتلك منتخب البرتغال العديد من أوجه القوة، فهو يمتلك جودة ممتازة، ونرى أنه يمتلك لاعبي ظهير أفضل، كما أنه يتميز بتنوع أكبر في وسط ميدانه، ولكن عندما يكون المرء عدو ذاته -في إشارة إلى أن جودة الأفراد لا تماثلها جودة الإدارة- فربما علينا أن نأخذ خطوة للخلف ونحاول رؤية الصورة الأكبر.

حسنا، البرتغال فريق مختلف تكتيكيا عن نظيره البرازيلي، فسانتوس لا ينتهج التدوير القصير للكرة بين أقدام لاعبيه، بل على العكس، الفريق بين أعلى 12,5% في معدل التمريرات الطولية لكل 90 دقيقة مقارنة بباقي فرق المونديال، أي إن الفريق يتخذ من الفوضى منهجا معظم الوقت؛ فالكرات الطولية تزيد من احتمالات الكرة الثانية، ومن ثَمّ تزيد من احتمالية تبعثر تنظيم الخصم تكتيكيا في ذلك السياق؛ ما يوجد مساحات قد يستغلها الفريق في الوصول إلى المرمى(6).

لكن على الرغم من ذلك، فالفريق أحيانا يتبع نهجا منظما في لعبه، ويمر بمراحل اللعب المختلفة عوضا عن رمي الكرة في الأمام طوليا، ولنقف لحظة عند تلك النقطة. يلعب الفريق عادة برسم 4-2-3-1، وهذا لا يمنعه أحيانا من اللعب برسم 4-3-3، ولكن الشيء المشترك في الرسمين هو وجود سيناريوهين مختلفين، إما الاعتماد على الأطراف وإما على عمق الملعب.

Fernando Santos 11
لا نظن أن سانتوس يدرك مدى قوة فريقه ولا جودته، وربما تلك هي المشكلة الأكبر، أن جودة الأفراد لا تماثلها جودة العقل المدبر. (وكالة الأناضول)

في حالة السيناريو الأول، وهو الاعتماد على الأطراف، والذي كان مثمرا في مباراة التشيك خارج الأرض عندما فازت البرتغال بهدف نظيف، حيث جرى الاعتماد على تبادل المراكز في الناحية اليمنى بين برونو فيرنانديز وبيرناردو سيلفا وديوغو دالوت. السياق الثاني هو الاعتماد على عمق الملعب، وهذا لديه سيناريوهان أيضا، إما الاعتماد على الوسط المهاجم في رسم 4-2-3-1، وإما المهاجم في رسم 4-3-3، في تلقي تمريرة عمودية من أحد المدافعين أو لاعبي الوسط ربما.

في العديد من الأحيان نرى رونالدو يتلقى إحدى تلك التمريرات العمودية، لكن ما يفعله هو إرجاعها للخلف للاعب نفسه أو لأحد زملائه على الأطراف، وفي أحيان أخرى نرى برونو هو من يفعل ذلك، وفي سيناريو ثالث مختلف، أحد الأجنحة هو من ينسل للعمق ويكون مسؤولا عن تلك العملية، وللسخرية، ذلك السياق هو الأكثر منطقية!

دور المهاجم الذي يشارك في مراحل اللعب المختلفة وصولا لمرحلة الإنهاء يتطلب من المهاجم خواص جسدية وتقنية وفنية معينة، كالتي نراها من غابرييل خيسوس مع أرسنال، أو كريم بنزيما مع ريال مدريد، أو روبرتو فيرمينو مع ليفربول… إلخ. تلك الخواص -التقنية منها تحديدا- لا توجد في كريستيانو رونالدو أو برونو فيرنانديز؛ بحكم السن بالنسبة إلى رونالدو وبحكم أن برونو ليس أفضل اللاعبين تصرفا تحت الضغط في رأينا، ولكنها قد توجد في الجناح الذي يلعب يمينا أو يسارا، كرافائيل لياو أو جواو فيليكس أو حتى أوتافيو وبرناردو سيلفا.

الأمر يشبه ما يفعله تيتي نوعا ما، ألا وهو سوء استغلال وإدارة الجودة المتاحة لخدمة الفكرة التكتيكية التي يحاول المدرب الالتزام بها، لكن الأمر أكثر عشوائية مع البرتغال، فلا نظن أن سانتوس يدرك مدى قوة فريقه ولا جودته، وربما تلك هي المشكلة الأكبر، أن جودة الأفراد لا تماثلها جودة العقل المدبر.

فرنسا.. هناك ما هو أسوأ من اللعنة

فرنسا كانتي 4
بعد إصابة بول بوغبا ونغولو كانتي وأبو بكر كمارا، افتقد الديوك ثلاثة من أهم الأسلحة في مختلف مراحل اللعب.

منذ 2002، وهناك تلك اللعنة التي يتحدث عنها الجميع، وهي أن كل منتخب يفوز بنسخةٍ ما من كأس العالم يغادر النسخة التالية من دور المجموعات، وقد رأينا ذلك مع إيطاليا وإسبانيا وألمانيا تواليا. لم يُستثنَ من تلك اللعنة سوى البرازيل عندما تأهلت لربع النهائي في 2006 بعد أن فازت بنسخة 2002، ولكن منتخب فرنسا هو من حلت عليه اللعنة في البداية، في عام 2002، بعد أن فاز بنسخة 1998.

نحن لا نؤمن بالخرافات هنا، ونؤمن أن هناك سببا لكل شيء، ولكننا لن نتطرق لهذا، ما سنتطرق إليه بالفعل هو المنتخب الفرنسي بقيادة ديدييه ديشامب، وهو أحد المرشحين الكبار للفوز بتلك البطولة رغما عن اللعنة؛ فمجموعته مع الدنمارك وأستراليا وتونس ليست الأصعب على الورق، ولكن الصعوبات قد تواجه الفريق أمام فرق المستوى الأعلى في المراحل الإقصائية حال تأهله إليها، فبعد إصابة بول بوغبا ونغولو كانتي وأبو بكر كمارا، افتقد الديوك ثلاثة من أهم الأسلحة في مختلف مراحل اللعب.

إذا تحدثنا عن تدرج الفريق بالكرة، فبوغبا مثلا في اليورو الأخير لديه رابع أعلى معدل تمرير للكرات لثلث الخصم الأخير لكل 90 دقيقة، ويليه كانتي في تلك الإحصائية على مستوى المنتخب الفرنسي في البطولة ذاتها، كما أن بوغبا لديه سابع أعلى معدل للتمريرات التقدمية لكل 90 دقيقة (هذه الإحصائيات للاعبي الوسط الذين تعدى عدد دقائق لعبهم 300 دقيقة خلال البطولة)، ناهيك بأبو بكر كمارا، لاعب أستون فيلا الذي يعاني من إصابة ستبعده عن المونديال، والذي كان يعد أحد أفضل لاعبي مارسيليا الموسم الفائت على مستوى التمرير، وأيضا دفاعيا على مستوى إفساد الهجمات(7)(8).

على المستوى التكتيكي، تتمتع فرنسا بمنظومة صلبة دفاعيا نوعا ما، فالفريق في اليورو الأخير كان صاحب أقل معدل استقبال للأهداف المتوقعة لكل 90 دقيقة دون احتساب ركلات الجزاء بعد إيطاليا وإنجلترا، وكذلك الأمر في المونديال الأخير، حيث حل الفريق بعد الأوروغواي وأستراليا على المعيار نفسه، وربما ما يساعد على ذلك هو اللعب بخماسي في الخلف في الحالة الدفاعية أغلب الوقت، وضغطهم العكسي المميز الذي يعد من أكثر منظومات الضغط حدة، ويظهر ذلك في مقياس الـ”PPDA” أو “Passes per defensive action”، وهو عدد التمريرات الذي يقوم بعدها الفريق بعمل تدخل دفاعي(9)(10).

لكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن الفريق هجوميا، ولا نعني أن الفريق لا يصنع الفرص بالشكل الكافي، فالفريق امتلك خامس أعلى معدل أهداف متوقعة دون احتساب ركلات الجزاء في اليورو الأخير لكل 90 دقيقة، ولكن الأمر أن الفريق يحاول أن يغير من جلده نوعا ما، فنحن نرى أنه يحاول الاعتياد على أساليب الاستحواذ في اللعب بدلا من اللعب المستمر على التحولات السريعة هجوميا، ولكن ذلك يحدث بعشوائية وبدون أنماط واضحة تكتيكيا، ويعتمد بشكل كبير على تجليات مبابي وبنزيما الفردية ومجهودات غريزمان بالكرة وبدونها، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع كما رأينا في دوري الأمم الأخيرة التي لم يتمكن فيها الفريق من تسجيل سوى 5 أهداف في 6 مباريات(11).

بإصابة الثلاثي المذكور آنفا، انخفضت جودة منتصف ميدان فرنسا بشكل كبير، فالفريق لا يتوافر لديه بشكل أساسي سوى تشواميني وكامافينغا في رسم 3-4-1-2 الذي يحبذه ديشامب أغلب الأحيان، وربما يلجأ لماتيو غيندوزي وأدريان رابيو أيضا ولكن بشكل أقل. ولكن رغم المشكلات التكتيكية التي ذكرناها، من المرجح أن تتأهل فرنسا من مجموعتها وتكسر اللعنة، ولكن انخفاض الجودة في الوسط وشح الحلول الجماعية للفريق قد يجعلنا نفتقد الديوك في المربع الذهبي هذه المرة.

إنجلترا.. لا عودة إلى المهد؟

في كل دورة مجمعة يخوضها الإنجليز، فإنهم يرفعون شعار “ستعود إلى المهد”، في إشارة إلى فوزهم بتلك البطولة، مع أن الفريق لم يفز ببطولة مجمعة منذ لقب عام 1966 كما نعلم. ورغم ذلك لم يتوانَ الإنجليز عن تذكيرنا في كل مرة بأن الكأس ستعود إلى مهدها. ربما تكون تلك هي المشكلة، ألا تعتقد ذلك؟

انجلترا 3
(وكالة الأناضول)

ربما يكون ذلك العبء النفسي هو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة. كتبت “فلو لويد هيوز” و”شارلوت هاربور”، المحررتان بموقع “ذا أثليتك (The Athletic)”، مقالة عن تلك العبارة، وعما إذا كانت تعبر عن الغطرسة الإنجليزية أم لا. ترى “فلو” -ببساطة- أنها تُعبّر عن الأمل غير الواقعي فقط، متسائلة: “مَن الأحمق الذي يتوقع من أمة فاشلة كُرويّا أن تفوز بأي شيء؟!”(12).

ونحن بدورنا نتساءل: هل من المنطقي حقا أن يترشح فريق كهذا أصلا للفوز بالمونديال؟ ربما الجواب هو لا إن تحرينا الصدق، هذا لا ينفي أن الفريق يمتلك جودة كبرى في الوسط والهجوم، على الرغم من أننا لا نستطيع قول الشيء نفسه عن اختيارات غاريث ساوثغيت في الخط الخلفي.

الأهم في هذا السياق أن الفريق لم يسجل هدفا من لعب مفتوح في دوري الأمم الأوروبية قبل هدف لوك شاو في مرمى المنتخب الألماني في المباراة الأخيرة في دور المجموعات بالبطولة، تحديدا في 521 دقيقة لعب قبل هذا الهدف. لا يزال الفريق عاجزا عن فرض هيمنته، فهو يستقبل اللعب أكثر مما يفرض أسلوبا محكما وواضح المعالم، ولا توجد تلك اللمسة الإضافية للمدرب لكي نشعر أن هناك إطارا تكتيكيا للحكم عليه.

ربما تتشابه الفرق الأربعة في الخطوط العامة لما يعيبها؛ فجميعهم يمتلكون الجودة اللازمة للظفر بالذهب، ولكن في الوقت ذاته يفتقدون بعضا من الحنكة الفنية أو التكتيكية في إدارة بعض المباريات، والتي لا نرى أنها موجودة في العقليات التي تدير تلك المجموعات المدججة بالنجوم. ربما عقب أخيل ليس المشكلة هنا، بل عقله.

__________________________________

المصادر:




تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى