منوعات

عندما يحاكم الأدب الواقع.. كتّاب مصريون شهود على عصر تحولات المجتمع | ثقافة

قبل نحو ربع قرن، أصدر المستشرق والأكاديمي الألماني شتيفان جوت كتابه “شهود على نهاية عصر تحول المجتمع المصري عام 1970” الصادر سبتمبر/أيلول الجاري عن المركز القومي للترجمة في مصر، بترجمة أيمن شرف. ويلفت الكتاب انتباه قرائه إلى أن قرارا سياسيا قد يصدر عن جهة ما، قد يؤدي إلى ما يشبه الانقلاب ليس في السياسة فحسب، بل في الاجتماع والاقتصاد أيضا، لكن تأثيره على المجتمع قد يكون مدمرا.

ويبدو أن هذا ما حدث بتبني الرئيس السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد عام 1974، واتفاقية كامب ديفيد، وغيرها من السياسات التي لفتت انتباه الباحث الألماني جوت من خلال صدفة ساقته لمشاهدة فيلم “زمن حاتم زهران” للمخرج محمد النجار، وحضوره ندوة عن الفيلم على هامش مهرجان القاهرة السينمائي.

لاحظ جوت أن هذا الفيلم عالج وضعا يشبه ما حدث في مقاطعات ألمانيا الشرقية المنضمة حديثا (حينها) لألمانيا الاتحادية، وفي الكتلة الشرقية السابقة من انفتاح أدى إلى تغيير المجتمعات المحلية بطرق مختلفة، إذ بدأت الشركات الغربية تلعب دورا مماثلا لدور الولايات المتحدة والغرب بشكل عام في مصر خلال السبعينيات والثمانينيات، وحدث ما يشبه ظاهرة الطفيليين، وفي هذا السياق اهتزت القيم.

يقول جوت “بدأت أسأل عما إذا كان الموضوع الذي ناقشه فيلم النجار قد تناولته الروايات والقصص القصيرة الصادرة حديثاً، وخلال فترة وجيزة وضعت قائمة طويلة من الأعمال الأدبية، اخترت منها 6 دراسات حالة، وفقا لعدد الروايات، وهي (الحب فوق هضبة الهرم) و(أهل القمة) لنجيب محفوظ، و(قليل من الحب كثير من العنف) لفتحي غانم، و(رسالة البصائر في المصائر) لجمال الغيطاني، و(اللجنة) لصنع الله إبراهيم، و(تحريك القلب) لعبده جبير”.

وفي سبيل إنجاز هذه الدراسة، أجرى المؤلف مقابلات عديدة مع أصحاب هذه الروايات والقصص، وأجرى مقابلات أخرى مع عدد من نقاد الأدب، منهم عبدالمنعم تليمة وعز الدين إسماعيل وشكري عياد وسيزا قاسم وطه وادي وحمدي السكوت وإدوار الخراط ومحسن خضر.

قليل من الحب

ولعل زمن الدراسة جاء وحيا من رواية “قليل من الحب.. كثير من العنف” للروائي فتحي غانم، التي كتبها بين نهاية 1980 ونهاية 1983، وكتب لها مقدمة بعنوان “كلمة لابد منها”، يقول فيها: “أحداث وشخصيات هذه الرواية من صميم الواقع المصري كما عاصرته في نهاية السبعينيات، وما سجلته في الفصول القادمة أعتمد فيه على وقائع كنت شاهد عيان لها”.

الأديب المصري الراحل فتحي غانم مؤلف رواية “الرجل الذي فقد ظله” (الصحافة المصرية)

في هذه الرواية، يؤكد فتحي غانم جانبا آخر لموضوعه الأساسي في مجمل أعماله وهو “الصراع” أو “المحرك الأساسي للعمل الإنساني”، حيث يواصل معالجة أنواع الصراع المؤثرة في التاريخ المصري الحديث: الصراع حول المناصب في “الرجل الذي فقد ظله”، والصراع بين المثقفين في “زينب والعرش”، وصراع الأجيال في “الأفيال” إلى آخره.

والزمن الذي تدور فيه رواية “قليل من الحب.. كثير من العنف”، حسب المؤلف، هو نهاية السبعينيات، الذي يصفه بمرحلة من الصراع، وهذه المرة صراع من أجل النفوذ والمال والشهرة، هذا هو عصر الانفتاح، عصر تراجع التقاليد القديمة، وظهور قوى جديدة كانت مستبعدة من قبل، ولكن عندما امتلكت المال آلت إليها الوجاهة والنفوذ.

هذه القوى التي يعبر عنها برجال الأعمال، الفئة التي تشتري كل شيء، الأخلاق والمناصب والنفوذ، لا يهمها سوى المكسب والخسارة، المرتبطين بعلاقات وثيقة مع الدول الغربية، وكل شيء عندهم يخضع للفخامة والمبالغة، وفي حفلات زفاف أبنائهم يحضر كبار رجال الدولة، جنبا إلى جنب تجار السلاح والمخدرات ونجوم المجتمع.

المجرمون

وبطريقة أقل إثارة من فتحي غانم الذي ينهي روايته بقتل وحشي للبطل، يصف “أديب نوبل” نجيب محفوظ ألاعيب أغنياء الانفتاح في قصته الصغيرة “أهل القمة” وكذلك قصة “الحب فوق هضبة الهرم” (نشرت عام 1979، وكتبها محفوظ مع بداية الانفتاح حسب ما ذكره نجيب للمؤلف)، إذ تقدمان شاهدا جديدا ومعاصرا على التغيرات والتطورات التي حدثت في مصر في مرحلة السبعينيات وما تلاها، المجرمون الحقيقيون، هم “أهل القمة” الذين يستخدمون وضعهم الاجتماعي الرفيع وقوانين الانفتاح للثراء على حساب المواطن العادي، ويظلون بعيدين عن أي مساءلة، فهؤلاء هم الأولى بالمطاردة من اللصوص والنشالين الذين يحتالون من أجل البقاء على قيد الحياة.

“خيانة الطبقة الوسطى”

أما عبده جبير في روايته “تحريك القلب ” (كتبت بين 1977 و1979)، فيظهر الطبقة الوسطى، التي كان من المفترض أن تقود المجتمع، تخون دورها الأساسي أو تضطر إلى ذلك، فتنهار بيوتها، كما هي الحال في الرواية، حيث تخون الطبقة الوسطى كل القيم التي توارثتها، وتبيح كل شيء في مقابل مكاسب طفيلية رخيصة، تنمو على حساب المجموع.

ويظهر المؤلف جميع شخصياته في حال ميؤوس منها تطغى عليها الظروف؛ فلا يستطيعون أن يفعلوا أي شيء تجاهها، وهم ما زالوا على قيد الحياة لكنهم في الحقيقة كالأموات، وجودهم على الحافة، وهو يظهرهم جميعا كأشخاص باردين عاطفيا، ولا يقومون في مواجهة الانهيار العام -المادي (في ما يتعلق بالبيت)، والمثالي (في ما يتعلق بالقيم) على حد سواء- برد الفعل الذي تحتمه الضرورة ويحمل معنى إرادة التغيير، بل يواجهونه بالسلبية واللامبالاة، وانعزالهم العاطفي.

محاكمة المثقف

“اللجنة” هي موضوع رواية الروائي الكبير صنع الله إبراهيم، أحد رواد القصة الجديدة في مصر، (كتب الفصول الأولى منها عام 1977، ونشرت عام 1981)، ولعل تكوين اللجنة -التي أخذت الرواية عنوانها منها- يوحي بالخط الروائي الذي يريد صنع الله أن يقوله على طول الرواية، اللجنة تتكون من نوعيات غريبة من الشخصيات (مدنيين، وعسكريين كبار، وامرأة عانس، وشخص أوروبي، وكلهم تقريبا يرتدون نظارات سوداء كبيرة، ورئيسهم أصم وأعمى تقريبا)، وطلبت اللجنة من البطل الماثل أمامها أشياء غريبة ومهينة.

وتعد الرواية محاكمة علنية للمثقف اليساري، الذي يرمز إليه شخصية الراوي في الرواية، التي تختلط بقدر كبير من شخصية صنع الله نفسه ممثلا للمقهورين، أو ربما يكون رمزا لمصر نفسها زمن الانفتاح.

تحولات المصائر

تحت عنوان “رسالة البصائر في المصائر”، نشر جمال الغيطاني تلك الرواية على حلقات في مجلة روز اليوسف أغسطس/آب 1988، ويرصد فيها الغيطاني مصائر بعض المصريين والمصريات، من خلال معالجة كانت سائدة في العصور الوسطى زمن ازدهار “الرسائل”، ولكن زمن الرواية هو سبعينيات القرن العشرين، ويحكي النص قصص ما لا يقل عن مصائر 15 شخصية رئيسية، كلها تحولت إلى الأسوأ في القيم والأخلاق، يظهر من خلالها التناقض بين ما قبل السبعينيات وما بعدها.

هي في النهاية نماذج لما سماه الألماني شتيفان جوت “أدب الانفتاح”، وهي ليست دراسة أدبية نقدية فحسب، بل هي تشريح اجتماعي وتحليلي، يلقي الضوء على التحولات العنيفة التي حدثت في المجتمع المصري خلال مرحلة السبعينيات وما تلاها من سنوات صعبة.




تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى