منوعات

في بداية العام الجديد.. حسابات الأعداء والأصدقاء وتطلعنا لعالم أفضل | آراء

في أوائل أيام 2023، يمكننا أن نرى أن تغييرات كبيرة تأتي في أفق المشهد العام في العالم، حيث يسعى كل شخص فيه للبحث عن الأفضل، وهناك جهود للخروج من الأزمات، وتصميم على التحرر من الظروف والجهات الفاعلة التي تسببت في الأزمات المتتالية التي مرّ بها عالمنا.

إن النظام العالمي الذي أنشئ بعد الحربين العالميتين، وتم التخلي عن قواعده وحدوده، قد تطور نحو حالة فوضوية في نهاية الحرب الباردة، فانتشرت الاضطرابات وفقدان العديد من الدول القدرة على الحكم، كما يمكن لكل من لديه القدرة أن يغير إعدادات اللعبة السياسية في العالم.

والقضية أكبر من انتشار التعسف العالمي من قبل الدول الخمس الكبرى في حكم العالم، فحتى هذه الدول الخمس تعيش منافسة مستمرة لا تتوقف فيما بينها، لكن من الصعب جدا اتباع منطقها في المنافسة والصراع وتحركاتها المتسقة في لعبة القوى؛ حيث يمكن أحيانا أن ترغب بعض الدول في أن تكون تحركاتها التي يتم إجراؤها صغيرة وعقلانية وتصب في مصلحتها مباشرة، وهذا ما لا يقبل به الكبار.

ربما يتعلق هذا الوضع بالقدرات الإدارية لمختلف الدول، فيمكن لقيادة دولة ما أو إدارتها -والتي ربما تبدو غير متسقة مع حجمها- أن تمنع القوى الكبرى من استخدام مزاياها الخاصة ضد منافسيها. فعلى الرغم من أن قوة مثل الولايات المتحدة حققت نجاحات قصيرة في سياستها بشأن القضية الأوكرانية في كل من الشرق الأوسط وضد الصين وروسيا اليوم، فإنها لا تعد حتى بنظام طويل الأجل للعالم، أو حتى تحافظ على هيمنتها بنفس الطريقة.

لقد رأينا كيف تنكّر الاتحاد الأوروبي لكل القيم التي تبناها ودافع عنها في  فلسفته التأسيسية، فلا يوجد شيء يمكن أن يقوله أو يَعِد به العالم، وخاصة العالم الإسلامي

ولكي تعد أميركا بأمر ما، يجب أن تقوم بتسويق بعض الفضائل، حتى لو لم تكن صادقة. حيث كان ادعاء جلب الديمقراطية والحرية إلى العالم ثم إلى الشرق الأوسط، الذي قضى سنوات تحت الستار الحديدي في نهاية الحرب الباردة، ادعاءً جيدًا وسيئًا في الوقت نفسه. فعلى الرغم من أنه كان واضحًا جدًّا أنها تستخدمه لأغراضها الإمبريالية الخاصة؛ فإنه كان يمنحها أيضا ميزة أخلاقية في العالم، وقد استخدمت هذه الميزة ضد الصرب في البلقان، وفي التدخل في العراق، ثم في غزو أفغانستان.

اليوم، لا تدعي الولايات المتحدة أنها تحمل أي قيمة لبقية العالم، حتى لأغراضها الإمبريالية، والشيء المثير للاهتمام هو أن القوة التي تعتمد عليها غير قادرة على توفير الحماية لحلفائها، فضلا عن أن تصبح سمة نموذجية لهم، وهو ما يمثل نوعًا من الورطة؛ فهي لا يمكنها توفير الحماية للاتحاد الأوروبي من خطر التوسع الروسي، وهي غير قادرة -في الوقت نفسه- على ترسيخ التأثير الأميركي في أوروبا، وهو ما يظهر بوضوح في وضع أوكرانيا التي تتحدى روسيا بالاعتماد على الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن روسيا قد تضطر إلى اتخاذ خطوة إلى الوراء نتيجة لهذا العمل، فإن أوكرانيا لم تستطع الهروب من تدميرها كموقع للحرب بالوكالة عن أميركا.

القصة في سوريا هي مثال على كيف تتجه الولايات المتحدة -القوة العظمى في عالمنا- نحو الإفلاس في كل من القيم وملامح القوة. فالدخول في تحالف مع منظمة حزب الاتحاد الديمقراطي- حزب العمال الكردستاني الإرهابية ضد تنظيم الدولة الإرهابي، والذي تم إظهاره على أنه قائم على أساس إنساني، مثل القول بوقف مجازر الأسد وإعطاء 3 أو 5 براميل من النفط لسوريا التي تعاني من مشاكل في حياتها. هذه هي السياسة والاقتصاد التي تفضل الولايات المتحدة القيام به، فهل يمكن أن يشرع نظام في العالم بهذه القوة -وبشكل غير مسؤول- في مغامرة من شأنها أن تشكل تهديدا لأكبر حليف له في حلف شمال الأطلسي؟

إن الاتحاد الأوروبي ليس في وضع مختلف هنا أيضا، فقد رأينا كيف تنكّر لكل القيم التي تبناها ودافع عنها في فلسفته التأسيسية، فلا يوجد شيء يمكن أن يقوله أو يَعِد به العالم، وخاصة العالم الإسلامي. فعندما ظهرت إمكانية أن يتحول العالم الإسلامي لمنطقة ديمقراطية، شارك في مواجهة هذه العملية، ولم يقف حتى على الحياد، وقد أظهر مع جميع أعضائه في كل فرصة أنه يفضل التعامل مع الإدارات الاستبدادية والدكتاتورية في الشرق الأوسط، وليس مع الإدارات الديمقراطية. ولم تبق أي لافتة يحملها الاتحاد الأوروبي بخلاف القيم الفاسدة، ومذهب المتعة، والقيم الجنسانية التي تدمّر الأسرة. واليوم، ليس لدى الشعوب المطالبة بإرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم في الشرق الأوسط ما تتوقعه سوى ألا تطغى عليها الولايات المتحدة أو أوروبا.

وكما حدث في سنوات الحرب الباردة، يحدث اليوم. فلا تدّعي روسيا -التي تواجه الولايات المتحدة وأوروبا- أنها تمثل أي قيم إنسانية، ونرى أيضا أن عروض القوة تؤدي إلى مزيد من الدمار البشري. وخلال الحقبة السوفياتية، كانت هناك ادعاءات بتحرير الأماكن التي انتشر فيها الاستغلال الرأسمالي وإقامة نظام أفضل وأكثر مساواة وأكثر عدلا. لكن اليوم، ليس لدى روسيا مثل هذه الادعاءات على الإطلاق، وكل ما تعرفه هو مصالحها ببساطة، ولهذا فإن ما تفعله في سوريا يتنافس في الجريمة والوحشية مع ما تفعله الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.

لا توجد قيم إيجابية تمثلها روسيا في المناطق التي أفلست فيها الولايات المتحدة، وليس لدى الصين -التي يبدو أنها منافسة لأميركا أيضًا- ما تَعد به البشرية، حين تبرز في سباق السلطة. ومع ما تفعله في تركستان الشرقية، وبالطريقة التي تعامل بها الحكومة الصينية شعبها، يظهر ما يمكن أن تقدمه الصين في المواقف المحتملة؛ هذه هي حال عالمنا في بداية العام الجديد.

ولا يوجد سوى العالم المسلم هو ما يحتمل أنّ بمقدوره تقديم رؤية قوية ومجموعة من الفضائل لنظام جديد وعادل للعالم. ومع ذلك، لا يزال المسلمون مقيدين ضمن النظام الحالي، ومن أجل الكشف عن هذه القدرات يجب عليهم أولا القتال للتغلب على هذه القيود.

اليوم، يعاني العالم الإسلامي بشكل خاص من إهدار حقوق الإنسان والقمع والمعاملة التي لا تكسر الكرامة الإنسانية، ولهذا فهو يغلي بحثًا عن عالم أفضل. وكان الربيع العربي -الذي بدأ قبل 12 عاما وتم قمعه بالقوة ولا تزال محاولات قمعه مستمرة- مرحلة من هذا المسعى، وقد أعطت كل الدلائل أنه من الممكن والمرجّح جدا أن يصل العالم الإسلامي بشعوبه وحكامه الشرفاء بهذا المسعى إلى مرحلة معينة في الفترة الجديدة، ويسلط ضوءًا جديدًا من الأمل على العالم.

هناك الآن تراكم فكري إسلامي غني وكفء للغاية، يقيم هذه الاحتمالات ويعرف كيف يلقي الضوء على نفسه، وتسمح الظروف الحالية للعالم الإسلامي بتجميع هذا التراكم في إسطنبول؛ دعونا ننظر قليلا من هنا ونتطلع إلى عالم جديد أفضل يبدأ من هذا العام.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى