منوعات

في ظلال القرآن (2) سيد قطب كما يبدو في طبعتين | آراء

ذكرت – في مقال الأسبوع الماضي – 3 إشارات مجملة إلى الفرق بين نسختي سيد قطب من كتاب “في ظلال القرآن”، وقد تلخصت إشاراتي في الآتي:

  • الأولى: أن النسخة الأولى تعبر بدقة عن منهج سيد في تأمل القرآن فنيا وجماليا أي أدبيا وهو منحى تفرد به وشكل إحدى إضافتيه الكبريين. أما زيادات قطب وتنقيحاته اللاحقة التي ظهرت في النسخة الثانية من الظلال فتعبر عن إضافته الكبرى الثانية وهي “التفسير الحركي” للنص القرآني والذي اعتبره بعض القطبيين “اكتشافا”.
  • الثانية: أن النسخة الثانية من الظلال لم تنسخ الأولى، بل أضافت إليها وبنت عليها بحيث صار “التصوير الفني” الذي هو القاعدة في التعبير القرآني أساسا لبث الفكرة الحركية التي وسمت النسخة المنقحة.
  • الثالثة: أن الظلال صار في نسخته المزيدة والمنقحة أقرب إلى “التفسير” منه في الأولى، ففي الأولى لم يتعمد سيد كتابة تفسير بالمعنى الاصطلاحي، أما في الثانية فرجع إلى بعض تقاليد التفسير العلمية.

في هذا المقال، سأبسط القول في تلك الإشارات كما وعدت سابقا من خلال رصد سمة التغير في شخصية قطب، وملامح التغيير الذي طرأ على “في ظلال القرآن” وهل قربت تلك التغييرات كتاب سيد من كتب التفسير؟

سمة التغير في شخصية سيد قطب

لا بد من التأكيد -مجددا- على أن التغير والتغيير سمتان عامتان لدى سيد، فقد مر -بحسب وليم شيبرد أحد دارسي سيد- في 4 مراحل هي:

  • إلحاد محتمل بين عامي 1925 و1935.
  • ومرحلة “العلماني المسلم” بين عامي 1935 و1946.
  • والإسلامي المعتدل بين عامي 1946 و1956.
  • والإسلامي الراديكالي بين عامي 1956 و1966.

وكان شيبرد قد رصد ملامح كل مرحلة وسماتها من خلال بعض كتابات سيد قطب، وخاصة كتاب “العدالة الاجتماعية” الذي نقحه قطب نحو 4 مرات، وترجمه شيبرد إلى الإنجليزية وقدم له بدراسة موسعة سنة 1996.

أما صلاح الخالدي فقد قارن في الثمانينيات بين طبعتي الظلال ورصد بعض الفروق التي بدت له بينهما، ولكن من منظور تحيزه الكامل إلى سيد الأخير الذي حاول تحليله من منظور النسخة الأخيرة التي وصفها شيبرد بالراديكالية، ووصفها المستشار طارق البشري وغيره بمرحلة المفاصلة، وهي المرحلة التي ظهر فيها تكفير المجتمع بعد وصمه بالجاهلية، وهو أمر رصده مطولا الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله تعالى.

وكان شيبرد كان قد رصد هذا أيضا من خلال التعديلات التي أدخلها قطب على “العدالة الاجتماعية”، ففي الطبعة الأولى منه -مثلا- يعلن سيد أن المجتمع الإسلامي الحالي ليس إسلاميا، في دائرة الحكم فقط، في حين أنه يخبرنا في الطبعة الأخيرة بأن التخلي عن الحكم بشريعة الله في كل شؤون الحياة يعني أن وجود الإسلام قد توقف. وكان قطب -بحسب شيبرد- قد حذف من “العدالة الاجتماعية” وصف “مسلم” الذي كان قد استعمله للإشارة إلى العلمانيين في الطبعة الأولى.

لست معنيا هنا برصد ملامح تغيرات قطب في أعماله عامة، ولست أريد تحليل التغييرات التي أدخلها على “العدالة الاجتماعية” الذي كان أيضا نصا ناميا ومتجددا، ولكن سأقتصر على مقارنة جزئية بين نسختي كتاب “الظلال”، فهو موضوع النقاش في هذه المقالات.

ملامح التغيير في الظلال

يمكن أن نرصد ملامح التغيير بدءا من المقدمة التي تغيرت، ففي حين لم ير داعيا لتغيير مقدمة النسخة الأولى في طبعته الثانية التي صدرت عن عيسى الحلبي، قام سيد بتعديل المقدمة في النسخة المزيدة والمنقحة. وبالنظر في المقدمتين ندرك أننا أمام رؤيتين مختلفتين، دون أن يلغي ذلك بعض الملامح المشتركة بين المقدمتين.

ففي مقدمة النسخة الأولى، يؤكد سيد فكرتين:

  • الفكرة الأولى: مركزية التجربة الدينية الذاتية التي تتمحور حول الوجدان الذي تستقر فيه العقيدة والحس الذي هو نافذة الوجدان، والتصوير بالتعبير الذي يحرك الحس ويبث الحياة في الجمادات والمعاني المجردة فيجعلها شاخصة حية تنفعل وننفعل بها. ومن ثم ما جاوز سيد أن يسجل في النسخة الأولى خواطره وهو يحيا في ظلال القرآن، ولهذا حاول ألا يغرق نفسه “في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية” تحجب القرآن عن روحه وتحجب روحه عن القرآن، واستمسك فقط “بما يوحيه النص القرآن ذاته من خاطرة روحية أو اجتماعية أو إنسانية”. أي أن سيدا تحرر من الموروث التفسيري هنا، وتمركز حول تجربته هو مع النص القرآني كما يفعل أديب مع النص الشعري، بل فوق ما يفعل ذلك لخصوصية النص القرآني. وهذه العوامل مجتمعة أخرجت كتاب الظلال عن تقاليد التفسير القرآني من جهة، وجعلت الجانب الوجداني مسألة مركزية فيه من جهة أخرى (وهي مسألة ستزداد وضوحا في مقال لاحق).
  • الفكرة الثانية: أن التصوير الفني في القرآن غلب عليه في النسخة الأولى، ولا سيما أن نظريته تقوم على أن “القاعدة الواضحة في التعبير القرآني”، كانت إحدى أمانيه أن يوفقه الله إلى عرض القرآن كله في ضوء هذه الفكرة التي نظر لها في كتاب “التصوير الفني في القرآن”، وبسبب الجدل الذي أثارته فكرة الكتاب حينها. ففي النسخة الأولى من الظلال عبر عما خالج نفسه من “إحساس بالجمال الفني العجيب في هذا الكتاب المعجز، ومن شعور بالتناسق في التعبير والتصوير”.

أما مقدمة النسخة الثانية من الظلال فتضعنا أمام فكرتين مركزيتين:

  • الفكرة الأولى: أن المركزية انتقلت من “التصوير الفني” إلى “الجاهلية” التي تتردد بكثرة في النسخة الثانية، بل إنها قد تحشر حشرا للتذكير والتأكيد. فالانفعال الفني والوجداني والكسب الروحي تحولا في النسخة المنقحة إلى الصيغة الآتية التي تظهر في المقدمة الثانية: “عشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض… أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم… وأقيس تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية”.
  • الفكرة الثانية: أن القاعدة الكبرى للتعبير القرآني وهي التصوير، صارت خادمة لفكرة جديدة هي الحاكمية. يقول في مقدمة النسخة الثانية: “انتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حاسم. إنه لا صلاح لهذه الأرض إلا بالرجوع إلى الله”، وهذا إنما يتجلى في طريق واحد هو “العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم. إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها والتحاكم إليه وحده في شؤونها، وإلا فهو الفساد والجاهلية”. وهذا الاحتكام “إنما هو الإيمان أو فلا إيمان لقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى. إن شريعته للناس طرف من قانونه الكلي في الكون، والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان، فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم، كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم، وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود”.

ولكن سيدا يلح -في المقدمتين- على مركزية التجربة الدينية الفردية “في ظلال القرآن”، وأن الكتاب عبارة عن “خواطر” فاضت بسبب العيش في ظلال القرآن، وأنه بيان لما ذاقه وانفعل به خلال هذه التجربة. يقول في المقدمة الأولى: “كنت أجد في نفسي رغبة خفية في أن أعيش في ظل القرآن فترة، تثبت قدمي في الأرض، وتشعرني أنني أقف على أرض صلبة” (هل يحيل هذا إلى شكوك سابقة نالته؟).

يقول في المقدمة الثانية: “عشت أسمع الله -سبحانه- يتحدث إلي بهذا القرآن”، وسيظهر أثر هذا الجانب في ترجيحه للمعنى الذي فهمه وتبادر إلى ذهنه على المعنى الموروث عن ابن عباس أو غيره (كما نجد مثلا في 5:33 من طبعة جسور).

بعد أن أعدم سيد بنحو 10 سنين، دعا رجاء النقاش سنة 1977 إلى إحياء منهج قطب المفسر حتى لا يذهب ضحية الصراع السياسي مع ثورة 23 يوليو، واعتبر منهجه في ظلال القرآن “أفضل المناهج الحديثة في النظر إلى القرآن وفهمه”، وأنه يصلح نموذجا “للتفسير العصري الصحيح الناضج للقرآن”

قد أدرك هذه الخصيصة الأدبية والوجدانية بعض من تفاعلوا مع نظرية سيد في التصوير الفني في منتصف الأربعينيات كعبد المنعم خلاف الذي قال: إن سيد وفق في “أن يكشف عن معالم للجمال الفني في القرآن يجليها، وأن يصف آثارها في النفس وعجبها منها وانفعالها لها”، وأنه قد كشف عن “صورة للقرآن في ذهن شاعر معروضة عرضا جميلا بأسلوب ناثر دقيق التعبير، مشرق الأسلوب، له ذوق وحساسية وبيان”. بل إن نجيب محفوظ التقط الإضافة التي قدمها سيد حين كتب مخاطبا له في الأربعينيات: “بارك القرآن مجهودك فرفعك إلى مرتقى يتعذر أن يبلغه ناقد، بغير بركة القرآن. إنك تستطيع أن تعبر أجمل التعبير عن أثر النص في نفسك، ولا تقف عند هذا فتجاوزه إلى بيان مواضع الجمال في النص نفسه”.

بدأ قطب العيش مع القرآن مبكرا أواخر الثلاثينيات حين بدأ ينشر فصولا من كتابه “التصوير الفني في القرآن” في مجلة المقتطف قبل أن ينشرها كتابا فيما بعد، ثم تابع العيش في ظل القرآن في كتابه الثاني “مشاهد القيامة في القرآن”، وكان قد عزم على إصدار عدة كتب فيما سماه سنة 1947 “مكتبة القرآن الجديدة”. وقد ذكر سيد في مقال كتبه سيد سنة 1945 أن لديه نسخة من المصحف كانت مرجعه في أثناء تحضير كتابه “التصوير الفني”، وتحمل صفحاتها “تأشيراته” على مواضع التصوير في القرآن، ليثبت أن قاعدة التصوير الفني في القرآن ثابتة لديه دراسة وإحصاء.

يقول: “وهأنذا لا أكاد أجد صفحة واحدة خلت من موضع -يحمل إشارة إلى التصوير الفني- إلا أن تكون تشريعا. وهذا حسبي لتقرير هذه الحقيقة التي قررتها في كتابي، بعد التشبع بطريقة القرآن، والحياة في جوه أكبر وقت مستطاع”. وهذه التجربة القرآنية الممتدة من أواخر الثلاثينيات وحتى إعدامه ربما تخل بالقسمة التي وضعها شيبرد وأشرت إليها قبل، وربما تؤكد تجربته الدينية الفردية والبحث عن أرض صلبة، وجود شكوك سابقة لديه. ثم إن سيدا دائم التذكير بجانب التجربة الدينية التي عاشها، فها هو يؤكد -في نقاشه مع بعض نقاده- أن ما سجله في كتاب التصوير الفني “هو خلاصة عقيدتي ورأيي وفلسفتي الخاصة المبنية على كل تجاربي النفسية والذهنية في رحلتي على هذه الأرض”. يعيدنا هذا كله مجددا إلى الطابع الإنساني والتاريخي لفكر سيد، وهو ما يتجاهله عادة القطبيون الذين يولعون بعقائدية قطب دون تاريخيته.

هل “الظلال” تفسير؟

لا يمكن تجاهل دقة سيد قطب في التعبير، وتسميته كتابه “في ظلال القرآن”، وثباته على التعبير عنه بأنه “خواطر”، وأنه لم يتعمد أن يجعله تفسيرا أو شيئا آخر غير الخواطر. بل إن سيدا كتب سنة 1944 يفرق بين “المعاني والظلال”، فالمعاني تحيل إلى “لغة العلم” الذي يعنى بما في السطور أو يبحث عن معنى التعبير، بينما الظلال تحيل إلى “لغة الفن” الذي يعنى بما بين السطور أو بالظل الذي يلقيه التعبير. فمن الواضح أن كلمة “الظلال” هنا اختيرت بعناية للدلالة على “التعبير الذي يرسم للمعنى صورة أو ظلا يخاطب الحس والوجدان، ويطبع في النفس صورة من صنع الخيال”، لأن هذه الطريقة “أقرب إلى طبيعة الفنون” التي شغلت محور تركيز سيد في النسخة الأولى من “في ظلال القرآن”.

هذا رغم أن سيدا استعمل سنة 1946 تعبير “دروس في التفسير على طريقة التصوير الفني”، فسمى طريقته في التحليل الفني للنص القرآني تفسيرا، إلا أنه -فيما يبدو- تراجع عن ذلك سنة 1952 حين أصدر الجزء الأول من “في ظلال القرآن” وتجنب تسميته -سواء في العنوان أم في المقدمة- تفسيرا. ولكن زياداته وتنقيحاته للنسخة الأخيرة من “في ظلال القرآن”، قربته جدا من التفسير، ومع ذلك لم يدفعه هذا إلى تغيير عنوانه أو حتى إلى تعريف كتابه بأنه لون من التفسير، ليبقي على تمييزه القديم بين المعنى والظلال، وبين لغة العلم ولغة الفن، وبين البحث الديني والبحث الفني.

لعل محمد يوسف موسى كان رائدا في وصف كتاب قطب بأنه تفسير، وذلك في 1953، أي النسخة الأولى منه، ولكنه رآه تفسيرا “على غير النحو الذي ألفناه”، مما يعني أن مخالفة سيد للمألوف في التفسير هي ما جعلته يستنكف عن تسميته تفسيرا. وبعد أن أعدم بنحو 10 سنين، دعا رجاء النقاش سنة 1977 إلى إحياء منهج قطب المفسر حتى لا يذهب ضحية الصراع السياسي مع ثورة 23 يوليو، واعتبر منهجه في ظلال القرآن “أفضل المناهج الحديثة في النظر إلى القرآن وفهمه”، وأنه يصلح نموذجا “للتفسير العصري الصحيح الناضج للقرآن”.

ثم جاء صلاح الدين الخالدي في الثمانينيات فأطال النفس لإثبات أن “في ظلال القرآن” تفسير، اعتمادا على بعض إحالات قطب في أثناء كتابه لمواضع أخرى من “تفسير” آية أو سورة كذا، ليستنتج أنه سماه تفسيرا، ولكنه لا يخبرنا لماذا رفض ذلك في المقدمة واختار تسمية “الظلال” التي تختلف كليا عن التفسير.

كان الخالدي قطبيا حسب الطبعة الأخيرة لقطب، فهو يرى أن سيدا وفقه الله -في المرحلة الأولى من سجنه- “إلى إدراك طبيعة هذا الدين الواقعية الجدية، والتعرف على مهمته الجهادية، واكتشاف المنهج الحركي للقرآن الكريم”، وذلك بعد أن بلغ فيه الجزء 27، فكان لا بد أن “يضمنه فهمه الجديد للإسلام، وتصوره للدعوة إليه، ومنهجه في الحركة به”. ولهذا فسر سيد الأجزاء الثلاثة الأخيرة “وفق منهجه الحركي الجديد”، ثم قرر أن يعيد النظر في تفسير الأجزاء الأولى، فكتب الأجزاء العشرة الأولى من النسخة الثانية “بتركيز شديد وعلى منهج جديد وبطريقة جديدة”، تعرض فيها “للحديث عما توحي به من قضايا في العقيدة والحركة أو الفقه والتشريع أو السياسة والاقتصاد أو التاريخ والاجتماع… وكانت أطول وقفاته وأعمقها وأنضجها تلك التي تتعلق بالعقيدة والحركة والألوهية والعبودية والحاكمية والتشريع”، هذه هي الخلاصة التي انتهى إليها الخالدي.

وقد قارنت أجزاء مختلفة من نسختي الظلال فخلصت إلى أن التغيير الذي طال الكتاب شمل 3 أمور:

  • جوانب تقنية تفسيرية.
  • وجوانب تحريرية.
  • وجوانب مفهومية وفكرية.

ومع ذلك لا بد من التذكرة مجددا بأن التغيير كان جزئيا ولم يشمل كل أجزاء التفسير، فثمة شبه تطابق بين النسخ في الأجزاء الوسطى، ويستمر هذا حتى الجزء الـ26. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن لسيد تفسيرا لسورة الحاقة نشره سنة 1946 يختلف عما هو موجود في الظلال المطبوع في نسختيه. فرغم أنه سمى تعليقه الفني على سورة الحاقة “تفسيرا على طريقة التصوير الفني” حيث جعل السورة نموذجا تطبيقيا لنظريته في التصوير الفني، فإنه فصل في المشاهد التي تضمنتها السورة أكثر مما استوعب التعليق على السورة مقطعا مقطعا كما فعل في الظلال فيما بعد في الخمسينيات.

أما فيما يخص تقنيات التفسير:

فيمكن أن نلحظ ملامح مشتركة بين النسختين، وتغييرات تقرب الظلال أكثر نحو تقاليد التفسير. فلنبدأ بالمشترك بين النسختين ويتلخص في أمرين:

  • الأول: تقسيم القرآن إلى مقاطع يسميها دروسا، بحيث يربط بين آيات كل مقطع سبب خاص يتحراه بحسب تأويله، وربما كان أبو حيان الأندلسي (ت. 745هـ) أول من سلك هذا المسلك من المفسرين القدامى، في حين كان المفسرون الآخرون يقفون عنده آية آية أو عبارة عبارة. وإن لم يظهر لي من تقسيمات أبي حيان صرامة في التقطيع والبحث عن سبب جامع، ولكن ذلك بحاجة إلى تعمق.
  • الثاني: أن سيدا وضع علامات الترقيم داخل النص القرآني الذي يفسره، سواء في مفتتح السورة أم في أثناء تفسيره لها، وقد غيرت الطبعة الصادرة عن دار الشروق ذلك في مفتتح السورة أو في مفتتح أقسام السورة حيث نسخت الرسم العثماني، ولكنها أبقت على الكتابة الإملائية الحديثة وعلامات الترقيم في الآيات التي ترد في أثناء التفسير، ولا شك أن علامات الترقيم جزء من تقنيات التفسير.

وإذا ما ركزنا على التغييرات التي أدخلها سيد على النسخة الثانية بدءا من الفاتحة والبقرة، فسنجد أنه توسل بتقنيات تفسيرية أرصد منها 3 هي:

  1. المظهر الأول: أنه صار يذكر تفاصيل علمية وفقهية في النسخة المنقحة، بعد أن قرر في النسخة الأولى ألا يغرق نفسه في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية، وألا يستطرد إلى غير ما يوحيه النص القرآني ذاته من خواطر. فنجده في النسخة الثانية يخوض -مثلا- في بيان ركنية الفاتحة في الصلاة وأنه لا تقوم صلاة بغيرها، مع الاستشهاد بأحاديث نبوية لذلك، والخلاف حول البسملة، إلى غير ذلك.
  2. المظهر الثاني: أنه صار يبدأ السورة بمقدمة يجمل فيها المعلومات الأساسية عن السورة، كعدد آياتها ومكية أو مدنية والتذكير بخصائصها، وكيفية نزول السورة، ونحو ذلك من معلومات تتصل بعلوم القرآن، بالإضافة إلى بيان المحاور الكبرى للسورة التي هي أقرب إلى التفسير الموضوعي، ثم بعد ذلك يدلف إلى البيان التفصيلي، ففي البقرة -مثلا- بدأ بمقدمة طويلة عن السورة استغرقت نحو 10 صفحات (1: 27-37)، وهي كلها زيادة على ما في النسخة الأولى.
  3. المظهر الثالث: أن سيدا صار يجعل المقطع القرآني -في النسخة الثانية- هو البداية ثم يعلق عليه، أي صار يسلك مسلك المفسرين على خلاف النسخة الأولى التي لم يطرد فيها.

ما يخص الأمور التحريرية

فيما يخص الأمور التحريرية، فقد بدت النسخة الثانية أمتن من حيث الصياغة، فتارة يستبدل لفظا بلفظ، كاستبداله “متنفلا” بـ”متطوعا” في الفاتحة، وكتعديله بعض الصياغات وزيادة زيادات تفسيرية كثيرة بمزيد شرح وتفصيل أدبي. فعلى سبيل المثال زاد في موضع فقرة تتصل بخصائص التعبير القرآني جاء فيها: “تتجلى في قيام الكلمة مقام الخط واللون، إذ سرعان ما ترتسم الصور من خلال الكلمات، ثم سرعان ما تنبض هذه الصور وكأنها تموج بالحياة” (1: 37)، وهذا يؤكد -مجددا- أن سيدا لم يتخل عن نظريته في التصوير الفني التي شكلت محور النسخة الأولى، وإنما توسل بها في النسخة الثانية لتأكيد أيديولوجيته الحركية.

أما فيما يخص الأمور المفهومية والفكرية فتتلخص في الآتي 3 أمور:

  • الأول: أن كلمة الجاهلية تنتشر في النسخة المعدلة والمنقحة وتقحم بشكل ملحوظ، حتى إنه -على سبيل المثال- اكتفى في النسخة الأولى بالقول: “ولقد درج الغربيون”، ثم عاد فزاد في النسخة الثانية: “ورثة الجاهلية الرومانية”، كما زاد عبارات مثل: “عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام”، و”ركام الجاهلية من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات”. وصار يتحدث عن “الربوبية الشاملة”، و”الربوبية المطلقة” و”التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل”، و”الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية”.
  • الثاني: أنه صار يكثر من تعبير “التصور الإسلامي” الذي يبدو أنه يفضله على تعبير “الفلسفة”، فنجد -مثلا- عبارات مثل “قواعد التصور”، و”الكليات الأساسية في التصور الإسلامي”، و”التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور” وهكذا.
  • الثالث: أنه انتقل من النهج التصالحي في بعض أعماله السابقة، إلى التأكيد على فكرة تفرد الإسلام وتميزه على كل ما عداه من عقائد وتصورات وفلسفات، وعلى استعلائه أيضا، وعلى تفرد الأمة المسلمة التي هي “وارثة العقائد السماوية ووارثة النبوات منذ فجر البشرية، والحفيظة على تراث العقيدة وتراث النبوة، وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان” (1:41).

إلى هنا ننتهي من الحديث عن خصائص طبعتي الظلال، وسأترك للمقال القادم تفصيل القول في رؤية قطب التي ولد في رحمها الظلال والتي عاش معها مطولا منذ أواخر الثلاثينيات حتى إعدامه، وهي تظهر القصد الأول الذي هو مقصد نقدي فني، نظرا لتكوين سيد وتجربته قبل أن يتحول في النسخة المنقحة إلى القصد الثاني الذي هو فكري حركي، حيث سنشهد تحولا من المنهج الفني إلى المنهج الديني، بعد أن ميز بوضوح بينهما في سنيه السابقة، ولا بد من القول إن سيدا قد أثار الجدل في كلتا رؤيتيه (أو إضافتيه المركزيتين)، وسأترك التفصيل في هذا للمقال القادم، ولكن حسبي هنا أن أشير إلى أن كل جدل ناسب طبيعة الفكرة والإضافة التي قدمها.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى