منوعات

في عهد من وصلت الأندلس إلى أوجها وتفوق العرب على تجار أوروبا؟ ومن ألزم الشعراء بمئة ركعة في المسجد؟ | وثائقية

مدة الفيديو 20 minutes 43 seconds

روي أن الوزير أبا الحسن بن المدبّر كان إذا مدحه شاعر، ولم يرض شعره ألْزَمَه أن يصلّي 100 ركعة في المسجد؛ فلم يَعدْ يتجاسرُ على مدحِه إلاّ الأفراد المجيدون.

وسلطت حلقة “تأملات” (2022/8/23) الضوء على الشاعر أبي عبد الله الحسن بن عبد السلام المصري، الذي عندما استأذنه في النشيد قال له: هل عرفت شرطي؟ قال: نعم، ثمّ أنشده:

أردْنا في أبي حسَنٍ مَديحا… كما بالمدْح تُنْتَجَعُ الوُلَاةُ

فقلْنا: أكرم الثقليْنِ طرّاً… ومنْ كفّاه دَجْلَة والفُرَاتُ

فقالوا: يقبلُ المِدْحَاتِ لكنْ… جَوائزُهُ عليْهنّ الصَّلاةُ

فقلتُ لهمْ: وما يُغْنِي عِيَالِي… صَلاتِي؟ إنّمَا الشّأنُ الزَّكاةُ

فيأمرُ لِي بكسْرِ الصَّادِ منْها… فتصبحُ لي الصَّلاةُ هيَ الصِّلاتُ

فضحك ابن المدبّر واستظرفه، فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي:

هنّ الحَمَامُ، فإنْ كسرْتَ عِيَافَةً… مِنْ حائهنّ؛ فانَّهُنّ حِمَامُ

فاستحسنَ ذلك وأجْزَلَ جائزته.

عالم سلاطين الأندلس.. الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر

بلغت الأندلس في زمن الحكم المستنصر أوج ازدهارها في جميع أوجه الحضارة، سياسيا وعسكريا واقتصاديا ومعرفيا، حتى دانت لها ممالك الإسبان خاصة وأوروبا عموما، وخضع لها أمراء المغرب، وأصبحت قطبا مركزيا جاذبا تلتقي فيه الروافد الحضارية من الشرق والغرب، فما الدور العلمي والإنساني الذي اتسم به عهده الزاهي؟

لقد اغتنم المستنصر -في ذلك- تمكنه ونفوذه طيلة حوالي 50 عاما من حكم والده الناصر، الذي كان يستشعر طول فترة خلافته، فيمازح ولي عهده قائلا: “لقد طوّلنا عليك يا أبا العاصي”، لكن الحَكَم استثمر هذا العهد الممتد في تكوين شخصيته أميرا محنكا، متمرسا في جميع جوانب سلطات الخلافة، جاعلا أهمها أن يكون أميرا عالما موسوعيا، يتفوق على دور المأمون بن هارون الرشيد في بغداد.

كما اشتهر الحكم بعشقه للعلم واقتناء الكتب لدرجة أنه كان يبعث رسله “في المدائن حاشرين”، يشترون له الكتب من المشارق والمغارب، وقد بلغ اهتمامه بفرائد الكتب أنه بعث لأبي الفرج الأصفهاني بألف دينار ليحصل على النسخة الأم من كتاب الأغاني قبل أن يشيع في العراق.

ولم يزل كذلك حتى ملأ الأندلس بجميع كتب العلوم، ولما ضاقت مساحات القصر عن استيعاب أعداد الكتب الواردة إليه باستمرار، أنشأ الحكم مكتبة قرطبة، التي اكتظت بحوالي 400 ألف مجلد، رصدت محتوياتها في 44 فهرسا بأسماء كتب خزانته، كل منها يحتوي على 50 ورقة، وقلّما وجد كتاب منها إلا وعليه تعليق بخط يده.

وقد اهتم الحكم أيضًا بالعلوم الدينية، فكان يستجلب العلماء ورواة الحديث من الأقطار، وكان يحضر مجالسهم ويروي عنهم، وانعكست هذه النهضة العلمية على الجانب الإنساني لشخصية بانيها الخليفة المستنصر بالله، الذي واصل النهضة العمرانية بمفهومها الشامل.

وكان والده الناصر لدين لله من باشر هذه النهضة؛ فكان الحكم -كما وصفه ابن الأبار القضاعي- “حسن السيرة فاضلاً عادلا”، وكان “رفيقًا برعيته”، ففي عام 353 هـ وقعت مجاعة في قرطبة، فتكفّل الحكم بإطعام الفقراء والمعوزين

وقال المؤرخ الإسباني رامون مننديث بيدال: إن (الخلافة الأندلسية في ذلك العصر “وصلت” إلى أوج روعتها، وبسطت سيادتها السلمية على سائر إسبانيا، وكفلت بذلك السكينة العامة حتى قال تاجر أوروبي: كنا نثق بكلمة التاجر الأندلسي غير المكتوبة، أكثر مما نثق بكلمة التاجر الأوروبي المكتوبة).

يذكر أن الحكم المستنصر كان  شاعرًا رقيقا، ومن أروع ما يروى له هذان البيتان اللذان ودع بهما زوجته أم هشام، “صُبْح البشكنسية”، وهو منصرف إلى إحدى غزواته، فقال:

عجبتُ -وقد ودّعْتُها- كيف لم أمتْ*** وكيف انْثَنَتْ -عند الفراق- يدِي معِي

فيا مُقلتي العبْرَى، عليْها اسْكبي دمًا*** ويا كبِدي الحَرَّى، عليْها تقطَّعِي


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى