منوعات

في مسلسل “صناعة المال”.. نجاح مهني مقابل حياة كاملة | فن

يضحّي الشباب في المسلسل بكل شيء مقابل وجودهم، في عمل شديد الذكاء والتماسك نشاهد حبكته في الغالب داخل أروقة مكاتب لا يوجد لأصحابها حياة اجتماعية تذكر خارجها.

لم تكن مهنة المصرفي دائما تتمتع بسمعة حسنة، لذا عرضتها الأعمال الإبداعية بشكل سلبي كما في رواية “أنشودة عيد الميلاد” لتشارلز ديكنز، وهي شخصية “إبنزر سكروج”، وأيضا شخصية “شايلوك” في مسرحية “تاجر البندقية”.

وقد وصلت سمعة المصرفيين إلى أسوأ حالاتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في النصف الأول من القرن الـ20.

وعلى العكس من ذلك، تمتع المصرفيون في عصر الثورة الصناعية ببريطانيا بسمعة حسنة ووُصفوا دائما بالكرم، وأولوا اهتماما كبيرا بالأعمال الخيرية والرعاية الاجتماعية التي لم تكن ضمن نطاق اهتمام الحكومات، واشتهرت عائلات مصرفية شهيرة بتلك الأعمال؛ ومن بينها باركليز ولويدز وجورني.

وعن مهنة المصرفي، يعرض مسلسل “صناعة المال” الذي يعرض على شبكة “إتش بي أو” (HBO) تساؤلا كبيرا حول تصور الجيل الجديد لصناع المال وجدوى المهنة وأولوياتها.

مقدمة حول مأساة

وقد قدمت “بي بي سي” (BBC) فيلما وثائقيا حول هذا الموضوع، وأوضحت أن مزيجا غريبا من التعصب الديني والمعايير الثقافية والثورة الصناعية ساعد على دفع روح العطاء لدى المصرفيين، وكان من أكثر الأسماء شهرة في مجال الأعمال المصرفية “الكواكرز”، وهي طائفة دينية مسالمة وأخلاقية، وبسبب إقصاء تابعيها عن المهن، لجأت إلى التجارة والتمويل.

واقترن ذلك مع الاعتقاد “المسيحي المتأصل” بأنه من الأسهل على الجمل أن يدخل عين الإبرة من أن يدخل رجل غني الجنة. لذا كان يتعين عليها توزيع أي ثروات وفق التزام أخلاقي.

إن الثورة الصناعية، والتي تسببت في إحداث فجوة كبيرة من عدم المساواة في الدخل وانتشار الفقر، جعلت من الأعمال الخيرية أمرا واجبا.

 

وخلص الفيلم التسجيلي إلى أن الثقافة الحالية المتمثلة في “تحقيق الثراء” تجعلنا نتحمل مسؤولية ما وصل إليه المصرفيون”.

من هنا تنطلق أغلبية تصورات الأجيال الجديدة عن العمل المصرفي الذي تكون فيه الأموال في علاقة مباشرة مع أعين العامل الذي يرى كيفية تأثيرها اللحظي على الأشياء ولا يجد أي جدوى في أي شيء مهما كانت أصالته في غيرها.

مسلسل تأويلي

“صناعة” أو (Industry) هو مسلسل بريطاني عرض جزؤه الأول منذ عامين والثاني في أغسطس/آب الجاري، ويخوض بعمق في فكرة جوهرها يقول إن حلم الوظيفة في عالم المال ليس ورديا تماما، إذ يدور حول حياة الخريجين الشباب الذين يتنافسون لشغل وظائف محدودة للمبتدئين في بييربوينت أندكو (بنك استثماري مرموق مقره لندن).

وصمم مؤلفا العمل المشاركان والخبيران المخضرمان في عالم المال والصناعة ميكي داون وكونراد كاي الشركة الخيالية بناء على خبرتهما العملية في العالم الشرس للمعاملات المالية الضخمة مع تضمين المصطلحات المالية الأصلية في نص العمل.

ويأتي الخريجون من جميع ميادين الحياة المختلفة، ومن بينهم ياسمين، الابنة الثرية لأبوين لبنانيين تتمتع بنفوذ بسبب صلاتها الجيدة، وهاربر الأميركية السوداء التي تخفي سرا حول درجتها الجامعية غير الحاصلة عليها أساسا، وخريج جامعة أكسفورد روبرت قليل الثقة في ذاته، وغيرهم.

ويواجه الخريجون الشباب العنصرية والتمييز على أساس الجنس والتنمر المتفشية في أروقة المكتب، ويكافحون للتعامل مع ثقافة خطرة لتعاطي المخدرات وبيئة عمل سامة.

وتقدم كافة الشرائح المجتمعية في إطار قصة تجمعهم في مواجهة العالم الأكثر شراسة على الجميع، كل شيء يجب انتزاعه، كل مساحة للإنسانية المفرطة هي محض سذاجة ووقت مهدر على الأرض، والمال وحده يمكنه تحريك مشاعر الجميع.

خطاب ملهم

ثمة خطاب أيديولوجي داخل “صناعة” يجعل رمزيته مهمة في سياقنا الحالي؛ لما يعطيه من أهمية قصوى للعمل على حساب أي شيء آخر، ووجاهة فكرة العمل المستمر واعتباره محورا يدور كل شيء حوله؛ أمر يناسب النظرة الآنية للعالم عموما بدون رومانسية حالمة خارجة عن الإطار.

وكل شعور بالاستحسان والتقبل في المسلسل لا نراه إلّا بعد نجاح ملموس في العمل، فالجميع يستميت على التواجد داخل البنك والنجاح في الأشهر الستة الأولى التي يتبعها تثبيت البعض وتسريح الآخرين؛ مهاجرون ودارسون في أرفع الجامعات إلى جانب أبناء الجامعات الحكومية المجتهدين أكثر من الجميع، الكل يقاتل من أجل البقاء على حساب كل شيء آخر في حياته.

وتوظّف مشاعر الشباب العاطفية والجنسية تجاه كل شيء في خدمة تقدم العمل وحده، وربما في محورية تلك النقطة ما يقدم المسلسل على اعتباره يتجاوز فكرته إلى أشياء أخرى أكثر أصالة في سياق عالم ما بعد حداثي تحركه المادة عموما، ويقع شبابه أسرى لأفكار العمل المستمر القاتل كوسيلة وحيدة للنجاة.

ويضحّي الشباب في المسلسل بكل شيء مقابل وجودهم، في عمل شديد الذكاء والتماسك نشاهد حبكته في الغالب داخل أروقة مكاتب لا يوجد لأصحابها حياة اجتماعية تذكر خارجها، فالجميع يأخذ أقساط راحة لدقائق حتى يعود للتفكير في العمل كي لا يسبقه غيره.

صراع من أجل الوجود يحوّل الوظيفة التي تمثل وسيلة للعيش إلى غاية لا يمكن التغافل عنها. ولا يبقى إلا دقائق للنظر إلى الأسرة والحياة الاجتماعية.

وإذا كان تساؤلنا الفلسفي الأول الذي ينتجه العمل: هل العمل المصرفي أخلاقي؟ فإننا بنهاية مشاهدة متأنية للمرة الثانية نتساءل أساسا هل العمل ذاته في اللحظة التاريخية الحالية أخلاقي؟ ما يقودنا بالضرورة إلى القلة المستفيدة ممن جعل العمل المستمر القاتل هو وحده وسيلة النجاة في مجتمعات غارقة في الاستهلاك دون جدوى.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى