منوعات

قائمة الموت.. لغز الوفاة المفاجئة لرجال الدولة والمال الروس حول العالم

مقدمة الترجمة:

على مدار عام 2020، لقي ما يقارب عشرين شخصية روسية بارزة حتفهم في ظروف ملتبسة، وبطرق متباينة في جميع قارات العالم تقريبا. ينتمي هؤلاء الرجال جميعا إلى نخبة الأوليغاركيين الروس الذين انتقدوا آثار الحرب التي قادها الرئيس بوتين في أوكرانيا، وهو ما يجعل حوادث وفاتهم المتزامنة والمتقاربة تثير الكثير من الشكوك. في مقالها المنشور بمجلة “الأتلانتيك”، تشير الصحفية “إلان غودفرَي” إلى بصمات واضحة للكرملين في تلك الحوادث الغامضة.

 

نص الترجمة:

ها هي قائمة الأشخاص الذين لا يَوَدُّ المرء أن يكون في موضع أحدهم هذه الأيام: عملاق من عمالقة تجارة اللحوم الروس، أو مدير تنفيذي بقطاع الغاز الروسي، أو رئيس تحرير صحيفة شعبية روسية، أو مدير حوض روسي لبناء السفن، أو رئيس منتجع تزلُّج روسي، أو مسؤول روسي بقطاع الطيران، أو أحد عمالقة السكك الحديدية الروسية. فلا ينبغي لأي شخص تنطبق عليه هذه التوصيفات أن يقف بالقرب من النوافذ المكشوفة في أي دولة بالعالم، وفي كل القارات تقريبا.

 

فقد عُثِر قبل أسابيع على “بافل أنتوف” مَيتا في أحد الفنادق في الهند، وهو الإداري الروسي البارز في صناعة السجق، والرجل الذي أشارت التقارير إلى أنه افتقر للحماس تجاه حرب بوتين على أوكرانيا بشكل عرَّضه للخطر، وجاء ذلك بعد يومين فقط من وفاة أحد رفاقه الروس في الفندق نفسه. وقد سقط أنتوف من إحدى نوافذ الفندق ما أدى إلى وفاته، ومن ثمَّ بات مليونير صناعة اللحوم وصديقه المتوفي أحدث المنضمين إلى قائمة الأشخاص الذين ذهبوا ضحية متلازمة الموت الروسي المفاجئ، تلك الظاهرة التي أودت بحياة عدد كبير من رجال الأعمال والبيروقراطيين والأوليغارشيين والصحافيين الروس على نحو صاعق. إن قائمة هذه الوفيات، التي تشمل عمليات إلقاء مزعومة من النوافذ وحالات تسمُّم مُشتَبَه بها ونوبات قلبية مُريبة وحالات انتحار كما يُفتَرَض، تُعَدُّ قائمة لافتة للنظر لما تحويه من تنوُّع في مُسببات الوفاة غير الطبيعية، وكذلك لطُولِها وكثرة الأسماء الموجودة فيها حتى الآن.

قائمة الموت

مات ما يقارب عشرين شخصا روسيا بارزا عام 2022 بطرق غامضة، بعضها كان بشعا للغاية. فقد عُثر على جثتَيْ رائدَيْ صناعة الغاز “ليونيد شولمان” و”ألكسندر تيولاكوف” وبقربهما رسائل انتحار في مطلع العام الماضي. وفي غضون شهر واحد، عُثِر على ثلاثة مديرين تنفيذيين روس آخرين، هُم “فاسيلي مِلنيكوف” و”فلاديسلاف أفاييف” و”سيرجي بروتوسينيا”، أمواتا رفقة زوجاتهم وأطفالهم، فيما بدا أنها عمليات قتل وانتحار. وفي مايو/أيار الماضي، عثرت السلطات الروسية على جثة “أندريه كروكوفسكي” مالك منتجع “سوتشي” عند سفح أحد التلال، وبعد أسبوع واحد توفي “ألكسندر سوبوتين”، مدير إحدى شركات الغاز الروسية، في منزل مملوك لأحد رجال النزعات الدينية الروحية (الشامانية) في موسكو، بعد أن زُعِم تسميمه بمُخدّر مُستخلص من الضفادع يُعرف بـ”سُم الضفدع” (Toad Venom) (وهو مُخدِّر ومركب مُهلوِس انتشر تعاطيه بجرعات مُحدَّدة العام الماضي)*.

صورة تجمع كل من: ملنيكوف (يمين) وببروتوسينيا (يسار) وأفاييف (وسط). (مواقع التواصل)

والقائمة تطول. ففي يوليو/تموز، وُجِدَت جثة المدير التنفيذي للطاقة “يوري فورونوف” طافية في حوض السباحة الخاص به في إحدى ضواحي مدينة “سان بطرسبرغ” بعد تلقيه رصاصة في الرأس. وفي أغسطس/آب، بدا أن “دان رابوبورت”، أحد نُقاد بوتين، قد سقط من نافذة شقته في العاصمة واشنطن، التي تقع على مسافة ميل واحد من البيت الأبيض، وسرعان ما تلا ذلك مباشرة حادث سقوط “رافيل ماغانوف”، رئيس إحدى شركات النفط الروسية، من نافذة في الطابق السادس بإحدى البنايات في موسكو. وعلى المنوال نفسه، هَوَى “غريغوري كوتشينوف”، مدير شركة لتكنولوجيا المعلومات، من إحدى الشُّرفات مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، كما لقي رجل أعمال من كبار عمالقة العقارات الروس مصرعه بعد سقوطه من على السلم في الشهر نفسه.

Russian President Vladimir Putin stands next to First Executive Vice President of oil producer Lukoil Ravil Maganov after decorating him with the Order of Alexander Nevsky during an awarding ceremony at the Kremlin in Moscow, Russia, November 21, 2019. Sputnik/Mikhail Klimentyev/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس شركة إنتاج النفط “لوك أويل” رافيل ماغانوف. (رويترز)

لنعُد ونُكرِّر: حدثت كل هذه الوفيات على مدار العام الماضي (2022). قد يحاجج البعض بأن بعض هذه الوفيات على الأقل قد تكون طبيعية أو عَرَضية، وذلك بسبب انخفاض متوسط الأعمار في روسيا بصورةٍ استثنائية، بالإضافة إلى مُعدَّل إدمان الكحول الخارج عن السيطرة، كما أن كونك روسيًّا لا يعني أنك لست عُرضة للسقوط عَرَضا من نافذة بأحد الطوابق العلوية. وفي بعض الأحيان، يقتل الناس أنفسهم بالفعل، إذ إن معدل الانتحار بين الرجال الروس من أعلى المعدلات المسجلة عالميا. ووفق ما قاله “إدوارد لوتواك”، المؤرخ وخبير الإستراتيجية العسكرية، فإن هذا جزء على الأقل مما يحدث، فقد تفشَّى اليأس الجماعي في صفوف النخبة الروسية المترابطة وصاحبة الامتيازات. ويضيف قائلا: “تخيَّل ما يحدث لدولة مُعولمة حين تدخل العقوبات حيز التنفيذ، سيُقْدِم بعضهم على الانتحار بطبيعة الحال”. غير أن الانتشار الرهيب لهذه الوفيات المبكرة يُوجب إلقاء نظرة فاحصة أكثر.

 

بصمات الكرملين الخفية وتقاليده الجَليَّة

تنضح الكثير من حالات الوفاة سابقة الذكر بأساليب لطالما اعتادها الكرملين، وهناك سوابق لهذه الظاهرة. ففي عام 2020 سمَّم عملاء روس المُعارض “ألِكسي نافالني” بغاز أعصاب، غير أن محاولتهم قتله باءت بالفشل. وقبل عقد من تلك الحادثة، كانوا قد نجحوا في محاولة مشابهة استهدفت “ألِكسندر ليتفينِنكو” المُنشَق عن أجهزة الأمن الروسية. وفي عام 2004، حين خاض “فيكتور يوشْتشِينكو” الانتخابات الأوكرانية ضد منافس مدعوم من الكرملين، سُمِّم بمادة الديوكسين التي شوَّهت ملامحه في نهاية المطاف. وقبل ثلاثين عاما، قتلت المخابرات البلغارية، بمساعدة الاستخبارات السوفيتية (KGB)، المُنشَق “جورجي ماركوف” بطعنه على جسر “ووترلو” في لندن بواسطة طرف مِظلَّة ملوَّث بمادة الريسين. هذا وأخبرني لوتواك بأن العملاء الروس غالبا “ما يلجأون إلى أشد الطرق غرابة، لدرجة أن الأشخاص الذين يُنفذون الاغتيالات لأغراض مالية وتجارية ينظرون إلى أساليب الكرملين ويضحكون”.

من الصعب فك رموز الانتحار. بالنسبة إلى الأوليغارشيين الذين فشلوا في إظهار الولاء الكافي لبوتين، فإن الإقناع بالانتحار ليس سيناريو يتعذَّر تصديقه. وقد أخبرني “مايكل وايس”، صحافي ومؤلف كتاب سيصدر قريبا عن وكالة المخابرات العسكرية الروسية (GRU)، أن “من الشائع أن يُقال لأحد هؤلاء ’بإمكاننا أن نصل إليك أو باستطاعتك أن تقوم بفعل رجولي وتنتحر، وبذلك تُخرج نفسك من رقعة الشطرنج، ومن ثمَّ يكون لديك على الأقل القدرة على تصفية نفسك بنفسك‘”. هل سقط أنتوف حقا من نافذته في الهند؟ أم أن عميلا للكرملين دفعه من النافذة؟ أم أنه تلقَّى مكالمة تهديد لعائلته لم تدع له خيارا إلا أن يُلقي بنفسه من النافذة؟ يقول وايس إن كل هذه الاحتمالات واردة.

 

يلعب الخيال دورا محوريا في عالم عمليات القتل الغامضة للكرملين، التي تبدو وكأنها قادمة من العصور الوسطى. فلطالما كان الإلقاء من النوافذ الطريقة المُفضَّلة لإزاحة المعارضين السياسيين منذ وُجِدَت المباني متعددة الطوابق، لكن روسيا احتكرت هذه الممارسة في العصر الحديث. فعلى غرار قفزة “توسكا” من أعلى أسوار قلعة “سانت أنجلو” في مسرحية “لا توسكا” الشهيرة المكتوبة في القرن التاسع عشر، فإن الموت بالسقوط من ارتفاع شاهق له جانب مسرحي، بل وأحيانا ما يبدو وكأنه يحمل في طياته شكلا من أشكال العِبرة. في روسيا، تُعرَف أعمال الاغتيال هذه بـ”العمل المُخضَّب” (Mokroye Delo) (في إشارة إلى ما يتضمَّنه الإلقاء من أعلى من أن يموت الشخص غارقا في دمائه)*. أحيانا ما يكون الهدف الأساسي من القتل بهذه الطريقة إيصال رسالة إلى الآخرين مفادها: “سوف نقتلك وعائلتك إذا كنت خائنا”. وفي أحيان أخرى تكون الغاية التخلُّص من شخص مزعج لا أكثر.

 

بعد سنوات قليلة من وفاة المخبر الروسي “ألكسندر بِرِبيليتشْني” بينما كان يجري خارج لندن عام 2012، أشار تقرير تشريحي واحد على الأقل إلى وجود بقايا مادة كيميائية في معدته ذات صلة بنبات الجِلسِميوم شديد السُّمِّية. وقد قال وايس: “هذه القرائن تُشير إلى الطرق التي يُغرَم الروس باستخدامها”، وكأنهم يتركون بصمات تدل عليهم عن عَمد، دون أن يكون بالإمكان القطع قانونا بأنها عملية قتل. ويؤكد: “إنهم يردوننا أن نعرف بأنها جريمة قتل، بيد أنهم لا يريدوننا أن نستنتج بأنها كانت كذلك قطعا”.

إن التسميم ينطوي على ذلك الالتباس، فهو يتمّ سرا وفي الخفاء بالمعنى الحرفي، ويصعب اكتشافه أحيانا كثيرة. إن الإلقاء من النافذة أقل غموضا بعض الشيء. نعم، قد يكون الإلقاء حادثا عرضيا، بيد أن من الأسهل بكثير استنتاج أنه جريمة قتل أو اغتيال علني مقارنة بالتسميم. ويشير وايس إلى أن “الروس جيدون جدا في جرائم القتل التي تحاكي الأسباب الطبيعية للوفاة، مثل النوبة القلبية أو السكتة الدماغية”. وتتفاوت حالات الوفاة فيما تنطوي عليه من دلائل ضمنية حول كونها عمليات اغتيال، لكنها جميعا جزء من المخطط الشامل نفسه، الذي يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الدولة الروسية هي الأخطبوط المُميت القاهر، الذي تستطيع أذرعه اللزجة أن تفتش وتقبض على أي منشق أينما كان.

 

لا تحظى الحرب الأوكرانية بشعبية كاسحة في صفوف النخبة الروسية الحاكمة. ومنذ بدأ الصراع، قيَّدت العقوبات المفروضة على الأوليغارشية ورجال الأعمال نمط حياتهم القائم على البذخ والسفر حول العالم باستمرار. وقد قيل إن البعض غير راضٍ عن آثار العقوبات، وهو شيء متفهم، إذ يقول وايس إن النخبة الروسية رفيعة المستوى تشعر كما لو أن بوتين “أعاد عقارب الساعة إلى الوراء”، إلى الأيام الخوالي السيئة لعُزلة الحرب الباردة. إن فيضان الوفيات هذا العام، الجريء من حيث عدد المقتولين وأساليب قتلهم، يشي بعدم اكتراث الكرملين بقدرته على إنكارها. وعلى الأرجح فإن هذه طريقة بوتين الخاصة لتحذير النخبة الروسية وإخبارها بأنه ذاك الأخطبوط الفتاك الذي لا يخشى أحدا. إن الهدف من إقصاء المنتقدين في النهاية ليس القضاء على النقد ذاته، وإنما تذكير المنتقدين -بأكبر قدر ممكن من التفنُّن- بالثمن الذي قد يتكبَّدونه إن عبَّروا علنا عن ذلك النقد.

————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: كريم محمد.




تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى