العالم

قلق غربي من فقدان المكانة.. هل تتحول البلدان البروتستانتية الناطقة بالإنجليزية لجزيرة ثقافية منعزلة؟ | ثقافة

بالتوازي مع أحداث الحرب الروسية على أوكرانيا، تعيد أصوات ثقافية ناقدة في الغرب التفكير في الأطروحات الفكرية التي عُدّت سائدة في العقود القليلة الماضية، وفي هذا الجزء من مقال مطول للصحفي كندي الأصل وكاتب الرأي ديفيد بروكس يحلل إمكانية أن يصبح العالم البروتستانتي الناطق بالإنجليزية جزيرة ثقافية منعزلة عن بقية العالم.

وفي مقاله بصحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) الأميركية، يقول بروكس إن استطلاع القيم العالمية يسأل بشكل دوري الأشخاص من جميع أنحاء العالم حول معتقداتهم الأخلاقية والثقافية، وتتم دراسة وتجميع بعض نتائج الاستطلاع في خريطة توضح كيف تقف المناطق الثقافية المختلفة في ما يتعلق ببعضها البعض.

في عام 1996، تم دمج المنطقة الثقافية البروتستانتية في أوروبا والمنطقة الناطقة باللغة الإنجليزية، في حين كانت القيم الغربية مختلفة عن القيم الموجودة في أميركا اللاتينية أو المنطقة الكونفوشيوسية على سبيل المثال، لكنها كانت متجاورة.

لكن خريطة 2020 تبدو مختلفة؛ لقد ابتعدت أوروبا البروتستانتية والمناطق الناطقة باللغة الإنجليزية عن بقية ثقافات العالم، وأصبحت الآن مثل شبه جزيرة ثقافية غريبة.

في ملخص لنتائج الاستطلاعات والرؤى، أشارت الرابطة العالمية لاستقصاء القيم إلى أنه في ما يتعلق بقضايا مثل الزواج والأسرة والتوجه الجنسي، “كان هناك اختلاف متزايد بين القيم السائدة في البلدان منخفضة الدخل والدول ذات الدخل المرتفع، “لطالما كنا في الغرب متطرفين، والآن بعدُنا عن بقية العالم يزداد اتساعا”.

النظام والفوضى

يقول الكاتب إن الناس مدفوعون بقوة بالرغبة في النظام، لا شيء أسوأ من الفوضى.

ويمكن أن تبدو هذه التغييرات الثقافية، والانهيار المتزامن في كثير من الأحيان للحوكمة الفعالة كأنها فوضى اجتماعية؛ تدفع الناس إلى البحث عن النظام بأي ثمن.

في المقابل، يقول الكاتب “نحن في الدول الديمقراطية في العالم محظوظون بما يكفي لأن نعيش في مجتمعات لها أنظمة قائمة على القواعد، والتي تتم فيها حماية الحقوق الفردية والتي نختار فيها قادتنا. ومع ذلك، في أجزاء كثيرة من العالم لا يستطيع الناس فيها الوصول إلى هذا النوع من النظام”.

مثلما توجد دلائل على أن العالم يتباعد اقتصاديا وثقافيا، هناك إشارات على أنه متباين سياسيا. في تقريرها “الحرية في العالم 2022″، لاحظت منظمة فريدوم هاوس أن العالم شهد 16 عاما متتالية من التراجع الديمقراطي.

وأفادت العام الماضي بأن “الدول التي شهدت تدهورا فاق عدد الدول التي شهدت تحسنا بأكبر هامش مسجل منذ بدء الاتجاه السلبي عام 2006. فالركود الديمقراطي الطويل آخذ في التعمق”.

ولم يكن هذا ما يتوقع أنه سيحدث في العصر الذهبي للعولمة، وفق الكاتب.

خلل وظيفي

في ذلك العصر، بدت الديمقراطيات مستقرة، وبدا أن الأنظمة الاستبدادية تتجه نحو ركام التاريخ. اليوم، تبدو العديد من الديمقراطيات أقل استقرارا مما كانت عليه، ويبدو أن العديد من الأنظمة الاستبدادية أكثر استقرارا؛ فالديمقراطية الأميركية -على سبيل المثال- انزلقت نحو الاستقطاب والخلل الوظيفي، حسب الكاتب.

في غضون ذلك، أظهرت الصين أن الدول شديدة المركزية يمكن أن تكون متطورة من الناحية التكنولوجية مثل الغرب. وتمتلك الدول الاستبدادية الحديثة الآن تقنيات تسمح لها بممارسة سيطرة واسعة النطاق على مواطنيها بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل عقود، وفق تعبير الكاتب.

وأصبحت الأنظمة الأوتوقراطية (الاستبدادية) الآن منافسة اقتصادية خطيرة للغرب، وتمثل 60% من طلبات براءات الاختراع، ويمكن للحكومات الاستبدادية أن تتمتع بدعم شعبي مفاجئ، حسب الكاتب، الذي يرى أن الغرب موحد على سلسلة من القيم العالمية حول الحرية والديمقراطية والكرامة الشخصية، لكن هذه القيم العالمية لم يتم قبولها عالميا، ويبدو أنها أصبحت أقل قبولا.

ارتفاع الجدران بين الأنظمة في العالم

يحلل الكاتب ما يسميه “عالما يتحول فيه الاختلاف إلى صراع، خاصة أن القوى العظمى تتنافس على الموارد والهيمنة”.

لكن شيئا أكبر يحدث اليوم يختلف عن صراعات القوى العظمى في الماضي، وهذا يختلف عن الحرب الباردة. هذا ليس مجرد صراع سياسي أو اقتصادي، إنه صراع حول السياسة والاقتصاد والثقافة والمكانة وعلم النفس والأخلاق والدين في آن واحد. وبشكل أكثر تحديدا، إنه رفض للطرق الغربية في فعل الأشياء من قبل مئات الملايين من الناس على طول مجموعة واسعة من الجبهات، حسب الكاتب.

الكرامة الشخصية والتماسك الاجتماعي

لتعريف هذا الصراع بأكبر قدر من التفصيل، يقول الكاتب إن الفرق هو تركيز الغرب على الكرامة الشخصية أكثرمن تركيز العالم الباقي (غير الغربي) على التماسك المجتمعي.

لكن هذا ليس كل ما يحدث، فالمهم هو الطريقة التي يتم بها استدعاء هذه الاختلافات الثقافية القديمة والطبيعية من قبل المستبدين الذين يريدون توسيع سلطتهم وزرع الفوضى في العالم الديمقراطي.

يقوم الحكام الاستبداديون الآن بشكل روتيني بتسليح الاختلافات الثقافية والتوترات الدينية والاستياء من المكانة لتعبئة المؤيدين وجذب الحلفاء وتوسيع سلطتهم، وهذا هو الاختلاف الثقافي الذي يحوّله الاستياء من المكانة إلى حرب ثقافية، وفق تعبير الكاتب.

واجبات غربية

يقول الكاتب إن الانتقادات التي يوجهها كثير من الناس إلى الغرب، وحول الثقافة الأميركية -لكونها فردية للغاية، ومادية للغاية، ومتعالية للغاية- ليست خاطئة، فهناك “كثير من العمل الذي يتعين القيام به إذا أردنا أن نكون أقوياء اجتماعيا بما يكفي لمواجهة التحديات القادمة خلال السنوات العديدة القادمة، وإذا أردنا إقناع الناس في جميع تلك البلدان المتأرجحة عبر أفريقيا وأميركا اللاتينية وبقية العالم بأن يدعموا الديمقراطيات وليس مع المستبدين، وبأن أسلوب حياتنا هو أفضل طريقة للحياة”.

لكن في الوقت الحالي -كما يضيف الكاتب- يشعر كثير من الناس بأن الغرب لا يحترمهم، ولذلك يدعمون القادة المستبدين الذين يعبرون عن استيائهم وكبريائهم الوطني. هؤلاء القادة لا يتعرفون عليهم في الواقع.

وبالنسبة لأولئك المستبدين -من الرئيس الأميركي السابق ترامب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين- فإن أتباعهم مجرد أدوات في بحثهم الخاص عن العظمة الذاتية، حسب الكاتب.

أي مستقبل؟

في نهاية المطاف -يقول الكاتب- إن الديمقراطية والليبرالية فقط هما القائمتان على احترام كرامة كل شخص. وفي النهاية، هذه الأنظمة ووجهات نظرنا للعالم هي التي توفر أعلى إشباع للدوافع والرغبات التي حاولتُ وصفها هنا.

ويقول “لقد فقدت الثقة في قدرتنا على التنبؤ إلى أين يتجه التاريخ، وفي فكرة أنه مع “تحديث” الدول فإنها تتطور وفقا لخط يمكن التنبؤ به، أعتقدُ أن الوقت قد حان لفتح عقولنا لإمكانية أن يكون المستقبل مختلفا تماما عن أي شيء توقعناه”.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى