العالم

كذبة أبريل.. هذه هي أشهر الكذبات في التاريخ

“السماء لا تُحب الكذب، ولكن الأرض في حاجة دائما للأكاذيب الصغيرة”

(محمد المنسي قنديل، يوم غائم في البر الغربي)

في محاضرته المترجمة تحت عنوان “تاريخ الكذب”، يشير الفيلسوف “جاك دريدا” إلى أن الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، وذلك حتى إذا كانت أقوالنا حقيقية، وأنه بإمكاننا أن ننطق بأقوال خاطئة، دون أن نكون كاذبين، ويرى أننا عندما نعتقد أن ما نقوله صحيح ونؤمن به، فلا يمكن أن نكون كاذبين، حتى في حالة كون أقوالنا خاطئة.

لقد شغل الكذب الفلاسفة على مر العصور، ومن خلال بحثهم المستمر عن الحقيقة بأوجهها المتعددة، شغلوا بالكذب أيضا كرذيلة حُذّر منها الإنسان. ورغم ذلك لم يكُفَّ البشر عن إطلاق أكاذيبهم، سواء كانت مما يطلقون عليه أكاذيب بيضاء بغرض المزاح، أو تلك الأكاذيب الثقيلة التي أثرت بالفعل في التاريخ وأفسد بعضها حياة البشر.

التاريخ الكاذب لأصل كذبة أبريل

كذبة إبريل 21

day”، يوم الحمقى أو كما يعرف في العربية بكذبة أبريل، هو الآخر مليء بالأكاذيب، بما يليق بهذا اليوم. في سلسلة طويلة من الأكاذيب، هناك العديد من الافتراضات حول الأصل التاريخي لكذبة أبريل بلا أدلة قوية على صحة أي من هذه الافتراضات.

يُرجع بعض المؤرخين أصل هذا اليوم إلى عام 1582، عند تحول فرنسا من التقويم اليولياني إلى التقويم الغريغوري وفقا لتوصية البابا غريغوري الثالث عشر عام 1563، وقد كان العام الجديد في التقويم اليولياني الذي تغير يبدأ مع الاعتدال الربيعي في حوالي 1 أبريل، ولأن بعض الأشخاص لم يعرفوا بتغير التقويم وانتقال بداية العام الجديد إلى الأول من يناير، فقد احتفلوا كعادتهم ببداية العام الجديد في الأول من أبريل؛ وهو ما جعلهم موضعا للسخرية، وأُطلق عليهم “حمقى أبريل (april fools)”، وقام البعض بوضع شعار لسمكة مصنوعة من الورق على ظهورهم أطلقوا عليها اسم “Poisson d’Avril” أو “سمكة أبريل”، رمزا لسهولة اصطيادهم كالسمكة.

ومن ناحية أخرى، ربط مؤرخون آخرون يوم كذبة أبريل بمهرجانات هيلاريا التي احتُفل بها في روما القديمة وتضمنت فعالياتها أشخاصا يرتدون ملابس تنكرية ويسخرون من غيرهم. أما التفسير الأكثر طرافة لأصل هذا اليوم فقد قدمه “جوزيف بوسكين”، أستاذ التاريخ بجامعة بوسطن، وهو التفسير الذي نشرته الأسوشييتد برس عام 1983.

حيث ذكر أن هذه الممارسة بدأت في عهد قسطنطين، عندما أخبر مجموعة من الحمقى والمهرجين الإمبراطور أن بإمكانهم إدارة الإمبراطورية بطريقة أفضل منه، فسمح قسطنطين لمهرج اسمه “كوجل” بأن يكون ملكا ليوم واحد، وأصبح الأمر حدثا سنويا. نشرت الأسوشييتد برس هذا التفسير على صفحاتها بالفعل، ولم يدرك أحد أن بوسكين اختلق الأمر كله إلا بعد مرور أسبوعين، لتدرك وكالة أسوشييتد برس وصحافيوها أنهم كانوا ضحية لكذبة أبريل بدلا من الكشف عن أصلها. صححت وكالة الأسوشييتد برس الخبر، واستخدم بوسكين القصة لتذكير طلابه بأن عليهم دائما التحقق من الأخبار والقصص أيا كان مصدرها(1)(2).

كذبة إبريل الأولى 11111
كذبة أبريل الأولى

أما أول الأكاذيب الموثقة في أبريل فيعود تاريخها إلى عام 1698، وتحديدا في لندن حين أُعلن للجماهير أنهم مدعوون لمشاهدة الحفل السنوي لغسل الأسود في برج لندن مقابل دفع ثمن التذكرة، وبالفعل دفع العديد من الأشخاص ثمن التذاكر، ولكنهم مع الأسف ذهبوا إلى البرج ولم يجدوا ولو أسدا واحدا بانتظارهم(3).

شجرة السباجيتي والبطاريق الطائرة أشهر كذبات أبريل

“الناس جميعا يرغبون في أن تُروى لهم قصص، وأنهم يريدون الخروج لحظات من الواقع والعيش في تلك العوالم الخيالية التي تقدمها الأفلام والتمثيليات الإذاعية والروايات، بل إنهم يرغبون في أن تُروى لهم أكاذيب، على أن تُروى تلك الأكاذيب بصورة جيدة”

(إرنان ريفيرا ليتيليير، راوية الأفلام)

أيا كان أصل ذلك اليوم فقد تحول بمرور الزمن إلى احتفاء سنوي متجدد بالمقالب، أو بما يسمى الكذبات البيضاء والتي يفترض أنها لا تضر أحدا. وصارت الوكالات الإعلامية في العصر الحديث تتسابق على إطلاق كذبات متقنة في الأول من أبريل من كل عام.

لعل أكثرها شهرة كذبة البي بي سي في الأول من أبريل عام 1957، حين نشر “ريتشارد ديمبلي” خبرا في البي بي سي حول وفرة محصول السباجيتي في سويسرا لذلك الموسم. وهو المقلب الذي وقع ضحيته آلاف المتابعين والمشاهدين، حتى إن بعض المشاهدين اتصلوا للسؤال عن طريقة زراعة أشجار السباجيتي بمنتهى الجدية(4).

وفي عام 1976 أعلن الفلكي البارز “باتريك مور” عبر إذاعة بي بي سي راديو أننا في الساعة 9.47 صباحا سنشعر بما وصفه بـ “تأثير جاذبية مزدوج من كوكبي زحل وبلوتو”، وقال إنه في لحظة معينة سيصطف الكوكبان في خط واحد وستصبح الجاذبية على الأرض أضعف، فإذا قفزت في الهواء في التوقيت الصحيح، فإنك تقريبا تطفو فوق الهواء. ورغم انعدام المنطق في ذلك الإعلان، فإن الصبغة العلمية الزائفة جعلت الخدعة تنطلي على الكثير من المتابعين، وإلى الآن ما زالت هذه الخدعة منتشرة حتى في الوطن العربي.

لم تسلم ساعة “بيج بين” الشهيرة من كذبة أبريل، ففي أبريل عام 1980 أعلنت بي بي سي لمستمعيها أن ساعة بيج بن ستدخل العصر الرقمي، وأشارت إلى أن أول من سيتصل من المستمعين يمكن أن يحصل على عقارب الساعة التي سيتم الاستغناء عنها. وفي أبريل من عام 2008، نشرت بي بي سي خبرا عن اكتشاف سلالة من طيور البطريق القابلة للطيران، وبثت مقطع فيديو مزيفا حظي بأكثر من 6 ملايين مشاهدة(5).

أكاذيب علمية: إنسان بلتداون

نسخة طبق الأصل بلتدوان
نسخة طبق الأصل من جمجمة رجل بلتداون. (ويكيبيديا)

كل ما سبق يمكن أن يطلق عليه أكاذيب بيضاء، ومقالب ساخرة هدفها الأساسي هو إضحاك الآخرين، بعد الضحك عليهم. إلا أن التاريخ الإنساني شهد أيضا العديد من الكذبات التي لم تكن بمثل هذا المرح، بعضها قلب التاريخ رأسا على عقب، والبعض الآخر أدى إلى خسارة العديد من الأرواح.

عرف البحث العلمي مثلا مجموعة كبيرة من الأكاذيب والاحتيالات، لكن تبقى أشهرها كذبة “إنسان بلتداون (Piltdown Man)”، والتي لم يتم الكشف عنها قبل مرور 40 عاما كاملة. في عام 1912 أعلن “آرثر سميث” و”ودوارد” من متحف التاريخ الطبيعي أن تشارلز داوسون، وهو محامٍ وعالم آثار هاوٍ اكتشف أجزاءً من جمجمة بشرية وعظام فك يُقدّر بأن عمرها نحو 500 ألف عام في أحد مناجم بلتداون شرق ساسكس في إنجلترا. وقد اعتُقد أن هذه البقايا تعود للإنسان الأول، واعتُبرت بمثابة حلقة وصل في إثبات صحة نظرية التطور.

ولم يتم اكتشاف زيف هذه القطع قبل عام 1953. كانت عملية التزييف دقيقة، حتى إنها لم تكتشف إلا مع تطور وسائل الكشف الحديثة عن الحفريات، مثل “فحص الفلور (fluorine absorption test)” وأشعة “إكس راي” و”الآزوت” السائل، والتي كشفت أن الفك السفلي يعود لقرد الأورانغوتان، ويصل عمره إلى نحو 500 عام، بينما تعود بقايا الجمجمة لجمجمة إنسان لا يتجاوز عمرها 620 عاما. وقد زُيّفت القطع عن عمد عبر تلطيخها بثنائي كرومات البوتاسيوم لإكسابها مظهر القدم. كما تبين أن الأسنان بشرية وتم غرسها في فك القرد، وبردها، وأظهر الفحص آثار الخدوش الناتجة عن ذلك على الأسنان. ليتغير اسمه إلى “إنسان بلتداون المزيف (Piltdown man hoax)”(6)(7).

وأكاذيب حول اللقاحات

دكتور أندرو وعلاج التوحد 11
كان الدكتور آندرو وايكفيلد (بالمنتصف) أول طبيب يقترح وجود صلة بين التوحد عند الأطفال والتطعيم الثلاثي للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية المعروف باسم MMR. (رويترز)

لم نبتعد كثيرا عن الجدل الدائر حول أضرار اللقاحات الخاصة بفيروس كورونا المستجد، ونظريات التآمر التي أطلقها الكثيرون. في الواقع، هذا الجدل حول اللقاحات قديم، ويرجع إلى تسعينيات القرن العشرين، وتحديدا عام 1998 حينما نشرت مجلة “ذي لانسيت” العلمية دراسة أجراها الطبيب د. “آندرو وايكفيلد”، ربطت بين ظهور أعراض التوحّد على الأطفال واللقاح الثلاثي الخاص بالحصبة والنُّكاف والحصبة الألمانية. لم تشمل العينة التي أُجريت عليها الدراسة سوى 12 طفلا.

سرعان ما نالت هذه الدراسة شهرة إعلامية واسعة، وتناقصت معدلات حصول الأطفال على اللقاح إلى أقل من 50% في المملكة المتحدة. وخلال 15 عاما من نشر هذه الدراسة قُدِّرت الأعداد بـ10 آلاف حالة حصبة كان من الممكن وقايتها، بعضها كان مصحوبا بآثار طويلة الأمد، لكن بمرور الوقت كُشف عن وجود العديد من الأخطاء في هذه الدراسة، ووُجدت أدلة على تحريف “وايكفيلد” للبيانات الصحية للأطفال -موضوع العينة- لصالح استنتاجاته. وقد أعلنت مجلة “ذي لانسيت” سحب هذه الدراسة بصورة رسمية في عام 2010. وفي مايو/أيار 2010، أصدر “المجلس الطبي العام” في بريطانيا قرارا بوقف “وايكفيلد” عن ممارسة الطب في بريطانيا(8)(9).

وهم الانتصار في نكسة يوليو

“الكذب في بلادنا ليس استثناءً، ولكنه من فرط التكرار صار يشبه الحقيقة”

(واسيني الأعرج، شرفات بحر الشمال)

كذبة 2

وإذا تحدثنا عن السياسة فربما لا يمكننا أن نتمكن من حصر الأكاذيب، لكننا نكتفي بذكر بعض من أشهرها وأكثرها تأثيرا على التاريخ. ولعل الأجيال الأكبر عمرا من العرب، وخاصة المصريين الذين عاشوا محنة حرب يونيو/حزيران 1967 والمعروفة باسم “النكسة”، يتذكرون بيانات إذاعة “صوت العرب” في ذلك الوقت، حيث انطلق وقتها من الراديو صوت الإذاعي الشهير ورئيس صوت العرب “أحمد سعيد”، مصرحا بأن مصر مستمرة في تحقيق انتصارات متتالية على العدو الإسرائيلي، وتوالت البيانات التي يذيعها عن أن مصر نجحت في إسقاط 50 طائرة للعدو الإسرائيلي، ثم 80 طائرة، ثم 100. ليستيقظ المواطنون بعدها من غفلتهم على الصدمة القاسية والهزيمة المرة التي أخفتها أجهزة الإعلام خلف ستار انتصارات وهمية كاذبة.

لسنواتٍ ارتبط اسم “أحمد سعيد” في أذهان المصريين بتلك الحادثة، وقد استقال بعدها في سبتمبر 1967 من رئاسة إذاعة صوت العرب بعد قضائه نحو 14 عاما في منصبه منذ تأسيسها عام 1953. كان سعيد إذاعيا قديرا، وقد لعب دورا إعلاميا مهما في تلك المرحلة الحرجة من التاريخ المصري والعربي، كما أن له عددا من المؤلفات الأدبية. لكن تاريخه اختصر في لقب “مذيع النكسة”(10). وفي حديث مع الإعلامية “ليلى الأطرش” قال: “كنت أعرف أننا مهزومون، وهذه محنتي أنا والعاملين بالإذاعة… عرفت بالهزيمة في نفس اليوم الساعة 12 إلا 5… اتصلت بالقيادة فأكدوا الخبر، وطلبوا مني الحفاظ على الأداء نفسه… كانت هذه محنتي”.

كارثة تشرنوبل

في 26 أبريل 1986، أدى انفجار محطة للطاقة النووية في تشرنوبل بأوكرانيا إلى تعريض ملايين الأشخاص الذين يعيشون في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية للإشعاع، حيث أدى الانفجار إلى إطلاق إشعاعات تزيد بما قُدِّر بأكثر من 400 ضعف ما نتج عن القنبلة الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة الأميركية على هيروشيما.

استغرق الأمر السلطات السوفيتية وقتها يوما كاملا بعد الحادث قبل أن تبدأ في إجلاء السكان من المدن المجاورة، لكن الأسوأ كان صمتهم بشأن العواقب. وقد استغرق الأمر 18 يوما كاملة قبل أن يعترف “ميخائيل جورباتشوف”، السكرتير العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي آنذاك، بأثر الانفجار. كانت هذه هي أسوأ كارثة نووية وبيئية في تاريخ الإنسانية. وفق التقارير الرسمية، تُوفّي في الأسابيع الأولى حوالي 30 عاملا، أغلبهم من رجال الإطفاء، كما تعرض نحو 600 ألف شخص ممن شاركوا في عمليات الإخلاء والإطفاء للإشعاع بأشكال مختلفة. وخلال عام 1986، أُخلي أكثر من 115 ألف شخص من منازلهم. كما تعرّض أكثر من 8 ملايين شخص في بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا للإشعاع بدرجاته المختلفة، وتلوّثت مساحة تبلغ نحو 155 ألف كيلومتر مربع من الأراضي(11).

“الكذب يكمن في المبالغات، في الزخرفات اللغوية، في أنصاف الحقائق التي تريد أن تصير حقائق كاملة”

(خوسيه ساراماجو)

_____________________________________

المصادر:

  1. King Kugel: An April Fools’ history lesson
  2. How a BU Prof April-Fooled the Country
  3. April Fools Day 1st April
  4. April Fools’ Day
  5. April Fools’ pranks at the BBC
  6. Piltdown man
  7. Piltdown Man
  8. The MMR vaccine and autism: Sensation, refutation, retraction, and fraud
  9. The discredited doctor hailed by the anti-vaccine movement
  10. وفاة الإذاعي المصري أحمد سعيد المدير السابق لصوت العرب
  11.  Chernobyl Timeline: How a Nuclear Accident Escalated to a Historic Disaster

تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى