العالم

لا تلومن إلا هاتفك | الجزيرة مباشر

كُتبت هذه الكلمات منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، ولكنها تنشر مع بداية شهر رمضان المبارك.. إنها الإشعارات!

بينما أكتب هذه الكلمات.. جاءني تنبيه بأن عليك غلق التطبيق فورًا، والاكتفاء بهذا الوقت المحدد الذي ألزمت به نفسك.

تنبيهات هنا وأخرى هناك، أصوات مختلفة منها الصاخب ومنها ذو النغمة الواحدة، أكاد أغبط من يستطيع التعامل مع هذا الكم الهائل من الإشعارات على هاتفه يوميًا، بل لحظيًا.

إشعار من واتساب يسألك أحدهم أن ترسل له تسجيلًا صوتيًا تشرح له -وأنت الخبير- طريقة عمل الخبز في المنزل.

ما إن تضعه على قائمة الانتظار حتى تذهب إلى “يوتيوب” لتتأكد من الطريقة التي يريدها المرسل، فأنت في حيرة أيقصد الخبز العربي السوري منه أم اللبناني أم ذا الحبة الكاملة المصري منه أم المغربي؟!

وبينما أنت تفكّر لوهلة وتجد مرادك.. إذ بإعلان مموّل من شركة الدقيق الأبيض مع صورة مبهرة لحبّات القمح بخلفية صوتية لتأثير المقرمشات.

كيف ذلك؟ ما أروعك أيها التطبيق فقد كنت الرفيق قبل الطريق.. يا تُرى قد شعر بما أشعر به من حيرة؟ أم أنه من الذكاء بمكان أن يُساعدني فيما أطلبه!

على أي حال فقد نقرت على “تخطي الإعلان” حتى لا تطيل على صديقك انتظاره، فالنار موقدة والعجين مُخمرة ولم يتبق سوى الخلطة السرية.

وما إن مرت ثوانٍ معدودة حتى أتاك إشعار من التطبيق الأكثر رشاقة والأخف ظلًا وظلالًا، بث مباشر عبر إنستغرام لحضور سحب جوائز مسابقة من فاز بجهاز الأيتون الجديد ذي الخمس عدسات مع ذاكرة تفوق ذاكرتك بثمانية جيجابايت.

لمعت عيناك إذًا، وخفق قلبك قليلًا.. هل سيكون هذا الجهاز بين يدّي بعد قليل حين يُعلن اسمي بأني صاحب الحظ الوافر حين قمت بعمل “منشن” لاثنين من أصدقائي في ليلة رأس السنة الحالية، ووضعت وسم #أحب_الأيتون

لمَ لا؟ وقد أرسلت المنشور لكل من أعرفه، وبذلت ما في وسع غيري حتى أكون ها أنا ذا..

ما لبث أن قام أحد الأصدقاء القدامى منذ الصف الأول الابتدائي بالاتصال عبر تطبيق ماسنجر دون سابق إشعار.

لا أرجوك.. ليس هذا وقتك! وبدلًا من النقر على الزر الأحمر، تمنيت في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعنا سويًّا، وكأن الزر الأخضر هو زر الضوء الأخضر بقيام الحرب الكوكبية الأولى، فقد قُطع الصوت عن البث المباشر لإعلان الفائز.

صمتّ برهة ليبدأ هو بالكلام، وفعّلت هاتفي على وضع السماعة الخارجية “سبيكر”، وذهبت لاستكمال البث المباشر عبر إنستغرام.

صوتان متداخلان.. ماسنجر حيث زميل مقعد الدراسة و”الفلوجر” الشهير يعلن اسم الفائز بجهاز الأيتون.

سمعت اسمي مشوّشًا! لا أدري هل الصوت عبر ماسنجر يناديني فيه الرفيق الأول بعد صمتي الباهت؟ أم هذا الشهير يعلن فوزي بالجائزة؟

ناشدتك الله يا صديقي أن تنهي المكالمة الآن، وسأعاود الاتصال بك لاحقًا.

ما إن أنهى المكالمة حتى برز صوت الشهير عبر “لايف” عبر إنستغرام، وبدا جليًا واضحًا.. تهللت أساريري لانتظار اللحظة الحاسمة، وإذ به يقول.. شكرًا لكم متابعيني وسأقوم بالتواصل مع.. الذي أعلنت عن اسمه قبل قليل! إلى اللقاء، ولا تنسوا المتابعة ونشر حسابي على نطاق واسع.

ثم ظهرت لي تباعًا القصص اليومية “ستوري إنستغرام” للذين أتابعهم، وقد أحاطت الدائرة الحمراء صورتهم الشخصية ما يعني أنه ينبغي عليّ أن أشاهدها الآن.

أول “ستوري” كانت لأمجد حيث اجتاز اختبار التسعمائة سؤال بجدارة واقتدار، ويطلب من متابعيه الدعم دومًا.

والثانية لماهر الذي التقط صورة لنفسه وهو يقود دراجته رافعًا يديه الاثنتين.

والثالثة لـ.. إعلان ممّول ظهر فجأة وتخلل، بل تسلل بين قصص من أتابعهم، كيف ذلك وأنا لا أقوم بمتابعة هذا الحساب؟ حسنًا لا يهم، الأهم هو محتوى الإعلان.

تُرى ما محتواه..!

نعم هو ذاك الذي يدور في خُلدك.. الخميرة الفورية.

أصابني الذهول المتبلد.. يا ويلتاه قد نسيت الرد على التسجيل الصوتي عبر واتساب.

وجدت المحادثة الثنائية بيني وبينه كما هي غير أنها توّجت بعدد من “الإيموشنات” الساخرة، لا أصدق فقد أرسل التسجيل عند الساعة 7:22 مساء اليوم، وها هي الآن تمام التاسعة مساءً.

عذرًا يا صديقي فقد انشغلت بالتنبيهات.

وتلخيصًا لبعض الدراسات، فإن للإشعارات والتنبيهات على هواتفنا أضرارًا جسيمة ندمنها دون أن نشعر، وتكون سببًا في أمراض عضال ترتبط بالصحة النفسية.

فمن بينها:

تشتيت الانتباه وعدم التركيز، والفصل التام عن الحياة الواقعية لكثرة الانشغال عن الحياة الطبيعية الملموسة، وعدم الاستفادة المُثلى من وسائل “التواصل” الاجتماعي لتداخل الأفكار والموضوعات، بالطبع التأثير السلبي لبطارية هاتفك المحمول المتعدد المهام يفقد إنجاز مهمة واحدة على الأقل.

فما علينا سوى ضبط الإشعارات في إعدادات الهاتف، فنقوم بتفعيلها في التطبيقات المهمة وتجاهلها في غير المهم بتحديد وقت معين في اليوم لمتابعة ما فات من تنبيهات وقراءتها مرة واحدة والرد عليها بتحديد أولوية من نستقبل منه الإشعارات، فبالتأكيد نحن في يومنا العادي لا ننتظر أن نعرف الجديد من كل هذا الكم الهائل من التطبيقات والمنصات والبرامج.

دمتم متواصلين يقظين دون خمول.

———————————

مصادر الدراسات:

https://www.researchgate.net/publication/291009197_An_in-situ_study_of_mobile_phone_notifications

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4912993/

 

 


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى