العالم

“لا وجود لكتاب يعلمك كيف تصبح قبطانًا.. يعتمد هذا الأمر على الخبرة”

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — تعتبر السفن السياحية العملاقة أعجوبة العصر الحديث، لكن عندما يتعلق الأمر بتوجيهها عند هبوب العواصف البحرية، وعبر الممرات المائية الضيقة، وداخل وخارج الموانئ الكبيرة والصغيرة، مع الأخذ في الاعتبار الحفاظ على سلامة كل فرد على متنها، فإنّ المسؤولية هذه تقع على عاتق شخص واحد: القبطان.

إنها وظيفة فريدة من نوعها، ويتوجّب على من يضطلع بها التمتّع بمهارات القيادة، ويمتلك قدرة على التعامل مع الأزمات، وأن يكون على دراية دقيقة بالمحيطات وعالم التيارات، وحركتي المد والجزر، والرياح، المعقّد . وتعتبر المعرفة بالهندسة البحرية ميزة إضافية، إسوة بالقدرة على إدارة المتطلبات اللوجستية لمدينة صغيرة عائمة.

إذن كيف تصبح قبطانًا لسفينة سياحية؟

كانت طريق بيليندا بينيت طويلة وحافلة بالشكوك لأنها أُخبِرت مرارًا أنها لن تنجح بذلك. وعانت خلال التدريب، من مشقّة الابتعاد لمدة طويلة عن أحبائها، بالتوازي مع تعلّمها كيفية التغلّب على دوار البحر.

وحققت بينيت، 39 عامًا، هدفها عام 2016، مع تولّيها قيادة سفينة Wind Star الشراعية الفاخرة التي تتسع لـ148 راكب، وتشغّلها شركة Windstar Cruises.

وقالت بينيت لـCNN إنّ “مشاعر مختلطة خالجتني خلال رحلتي الأولى كقبطان”. وأعربت عن شعورها بـ”الحماسة والفخر لأنك أصبحت أخيرًا قبطانًا. إنه أمر مخيف ومتلف للأعصاب أيضًا، حيث فجأة أصبحت مقصدًا للجميع للحصول منك على الإجابة الصحيحة، وبُتّ تتحمّل مسؤولية حياة كل شخص موجود على متن السفينة”.

وتابعت لا أفي التجربة حقها إن قلت “إنها أشبه بلعبة القطار السريع”.

لكن بينيت، التي ترعرعت في جزيرة سانت هيلينا الواقعة جنوبي المحيط الأطلسي، كان تتهيّأ لتلك الأفعوانية منذ فترة طويلة.

فعندما كانت في 17 من عمرها، خضعت لبرنامج تدريبي كطالبة بحرية تجارية امتدّ لأربع سنوات. أمضت جزءًا منه على اليابسة للدراسة في الكلية، والجزء الآخر في البحر لمراكمة الخبرة. ترقّت لتصبح ضابطة مراقبة وعملت على سفينة شحن لمدة 18 شهرًا، حيث اضطلعت بمهام مراقبة الجسر، وضمان بقاء السفينة على مسارها الصحيح.

وصفت بينيت تدريبها بأنّه “كان طويلًا ومحفوفًا بالعديد من التحديات”.

صُمّمت سفينة Wind Star التجارية، التي استهلّت رحلتها الأولى عام 1986، على نحو يُشعرِ ركابها بأنهم على متن يخت خاص. تعمل السفينة عبر أشرعة صواري تُشغّل بالكمبيوتر، ولا تستوعب سوى عدد قليل من الركاب وأفراد الطاقم.

عندما تولّت بينيت قيادة السفينة عام 2016، أصبحت أول قبطان سفينة سياحية سوداء البشرة.

وقالت: “بصراحة، كنت أقوم بعملي وأتأقلم مع دوري الجديد”، مشيرة إلى “أنّني لا أشعر بخصوصية ما لكوني أول امرأة سوداء البشرة في صناعة الرحلات البحرية. تمكني من تخطي العوائق شكّل مكافأة أخرى لي للوصول إلى قمة المهنة، وإنه لمن دواعي سروري لمس تشجيع الآخرين لي على المتابعة”.

الصعود بالرتب

كيف تصبح قبطانا؟
Credit: Inger Thorhauge

رغم عدم وجود مسارات متشابهة للوصول إلى رتبة القبطان، إلا أن معظم القباطنة يبدأون مسارهم كطلاب، ويعملون بوظائف أدنى ثم يتدرجون على متن السفينة، على غرار بينيت. ويسمح لهم التدريب، والمؤهلات الإضافية، والخبرة المتراكمة بارتقاء سلُّم الرتب.

الخطوة الأولى في مسيرة إنغر كلاين ثورهوج في مجال الملاحة البحرية، العمل كمضيفة سفينة سياحية خلال إجازتها الجامعية.

لم تطمح ثورهوج، المراهقة حينها، التي نشأت في جزر فارو الشمالية، لأن تصبح قبطانًا يومًا ما. لكنها أدركت سريعًا رغبتها في البقاء في البحر، رغم أنها لا تستمتع بتنظيف مخلفات الركاب.

وقالت لـCNN: “خلت أن ثمة طريقة مغايرة للقيام بذلك، لكني كنت أراكم خبرة وأسافر في الوقت عينه. إلى أن سألني أحدهم يومًا ما لماذا لا تقدمين طلبًا كطالبة بحرية”؟

وقدمت ثورهوج طلبها وقُبلت، وبدأت مرحلتها التدريبية على متن العبارات، وسفن الشحن التي تجوب العالم. ورغم استمتاعها بهذه التحربة، إلا أنها لم تنظر إلى العمل في البحر كمهنة مدى الحياة. 

وأشارت إلى “أنّن لم أفكر يومًا أو أخطّط لأنّ هذا ما سأفعله طوال حياتي”.

لكن لطالما أثار ثورهوج بريق وسحر السفن السياحية، من الميناء. وكانت متحمسة للعمل على متن إحداها برتبة ضابط هذه المرة.

وبعدما اتخذت القرار، أرسلت 18 طلب عمل لخطوط الرحلات البحرية في العالم.

وأتاها الرد الأول من شركة كونارد لاين، التابعة لشركة كرنفال كوربوريشن، وإحدى أشهر خطوط الرحلات البحرية في العالم، التي تعبر المحيط الأطلسي في القرن العشرين.

وأجرت ثورهوج المقابلة، وبدأت العمل مع كونارد عام 1997. مرّ الوقت، وحصلت على ترقية كي تضطلع بمهمات ومسؤوليات أخرى. وعملت لفترة مع خطوط الرحلات البحرية Seabourn، وPrincess، وP&O، قبل أن تعود إلى كونارد لتبدأ كقبطان عام 2010.

وقادت ثورهوج سفينة Queen Victoria التابعة لكونارد، التي يبلغ طولها 294 متر وتقل أقل من ألفي راكب، قبل أن تخضع لتجديد يسمح لها باستيعاب 93 مسافرًا إضافيًا.

وقبل الضطلاع بمهمة قيادة سفينة Queen Vicotria، خضعت ثورهوج لتدريب لدى شركة Carnival Corporation، حول محاكاة الإبحار عبر تطبيق سيناريوهات الطوارئ، والاستقرار، وإدارة الحشود، فضلاً عن الإدارة اليومية للسفينة.

وعلّقت: “لا يمكنك الالتفاف لتسأل القبطان الآن، لأنّه أنت”، متذكرة يوم صعدت على الجسر كقبطان لأول مرة.

وإسوة ببينيت، قبلت ثورهوج التحدي. وقالت “شعرت حقًا أنني أتمتّع بالجهوزية الكاملة لذلك. لم يكن الأمر مخيفًا، بل مثيرًا”.

“لا يمر يوم ويأتي مثله”

كيف تصبح قبطانا؟
Credit: Windstar Cruises

اتخاذ القرارات جزء أساسي من كونك قبطان سفينة سياحية.

ووصفت بيليندا بينيت الحياة على متن ويند ستار كالتالي: “لا يمر يوم ويأتي مثله على الإطلاق”.

وأوضحت أنه “يجب التعامل مع الآلات المعطّلة، وعندما تفشل في إصلاحها، يجب أن تراقب الطقس وتحدد المسار، واتخاذ القرارات بحسب المستجدات الطارئة”.

بالإضافة إلى التحديات الفنية، تشرف بينيت على حل المشاكل المتعلقة بالموظفين، وتشارك بتدريب الضباط الجدد.

من جهة أخرى تتولى ثورهوج حاليًا قيادة سفينة الملكة إليزابيث التي يبلغ طولها 294 متر التابعة لكونارد، وتستوعب قرابة 2081 راكب. ومن المقرر أن تقود أحدث سفينة للشركة، Queen Anne، عند إطلاقها عام 2024، والتي تتّسع لـ3 آلاف راكب، وتتمتع بتصاميم داخلية فاخرة متأثرة بفن آرت ديكو.

وأشارت ثورهوج أن ثمة مفهوم خاطئ وشائع أن القبطان يقف بمفرده على الجسر طوال اليوم، في حين أن الجسر يشغله العديد من الضباط، وتصدر القرارات على متن السفينة من فريق العمل مجتمعًا.

وسلطت ثورهوج الضوء على حالات الطوارئ الطبية كتحدّ آخر للقبطان. وأوضحت أنّ هذه المواقف تتضمن تفكيرًا سريعًا من الفريق الموجود على متن السفينة. إذ قد تحتاج السفينة لتحويل مسارها إلى ميناء غير مجدول، أو الإخلاء عبر طائرة هليكوبتر.

تنسيق الأساطيل

كيف تصبح قبطانا؟
Credit: MSC Cruises

وبينما تقضي بينيت وثورهاج الكثير من وقتهما في البحر، يعمل بييرلويجي باريليه، قبطان إم إس سي كروزس (MSC Cruises) بالكامل من اليابسة.

وباريليه، 48 عامًا، يشغل منصب قبطان أسطول الرحلات البحرية الإيطالية. إنه الضمانة للإبحار السلس على متن السفن من خلال توفير الدعم على الشاطئ لقباطنة السفن الـ19 التابعة للشركة.

وباريليه من جزيرة إسكيا الواقعة جنوب إيطاليا، القريبة من نابولي. أثارت طفولته التي قضاها في مشاهدة مرور السفن السياحية بمحاذاة الجزيرة، رغبته بالعمل في البحر.

بدأ كطالب على متن سفينة سياحية صغيرة، ثم عمل بعد ذلك لمدة 20 عامًا مع Carnival Cruise Line، وترقى حتى أصبح قبطانًا، وبات يشغل أخيرًا منصب قبطان أسطول كارنيفال، عام 2017.

وأوضح لـCNN أنه “نقطة اتصال القبطان على الشاطئ. نناقش كل شيء بدءًا من القضايا التشغيلية إلى أي محادثة بسيطة”.

ويناقش باريليه والقباطنة الفرديون أيضًا الإشكالات التي يواجهونها في الموانئ التالية، بالإضافة إلى أداء الضباط. إنه على اتصال يومي مع جميع القباطنة عبر الهاتف.

كما يشارك باريليه ببرنامج MSC Cruises التدريبي، ويساعد بتدريب الجيل المقبل من قباطنة السفن السياحية.

ويوضح أن البرنامج التدريبي يشمل كل شيء، من “التدريب الفني، إلى إدارة موارد الجسر، والتعامل مع السفن، والرسم البياني الإلكتروني، وإدارة الرحلة، فضلًا عن المزيد من التدريب الإداري مثل القيادة، ورد الفعل على الطوارئ، والسيطرة على الحشود”.

ويساعد أيضًا بتخطيط مسارات رحلات MSC Cruises. ويقترح على إدارة MSC أي قبطان يجب أن يقود أي سفينة.

ويقول إن هذا القرار يعتمد عادة على معرفة الفرد بخط سير الرحلة و/أو المنطقة و/ و المنفذ المحدد. كما يأخذ بتجربة كل قبطان في مناطق العمليات المختلفة، بالإضافة إلى خبرته مع أنواع معينة من السفن السياحية.

ويرى ألا “وجود لكتاب عن كيف تكون قبطانًا، لأنّ الأمر يعتمد أساسًا على الخبرة”

كيف تصبح قبطانا؟
Credit: James Watts

جيمس واتس يشغل حاليًا منصب ضابط ثالث في MSC Cruises. ترعرع في جزيرة وايت، الواقعة قبالة الساحل الجنوبي الغربي لإنجلترا. وإسوة بباريليه، ألهمته مشاهدة السفن السياحية في مينائه المحلي للعمل في الصناعة البحرية.

واستعاد “مراحل الكلية صعبة للغاية المليئة بالعديد من الاختبارات، حيث كان علي اجتياء أكثر من 30 اختبارًا في فصل واحد، من أجل الاستمرار في البرنامج”.

يشغل واتس الآن منصب ضابط مراقب وقد أنهى للتو مهمة العمل على متن MSC Seaside في البحر الأبيض المتوسط ​​والبرازيل.

وقال واتس لـCNN: “إنه لأمر راع حتى الآن أن أستخدم كل مهاراتي التي تعلمتها على مر السنين بشكل مستقل، وأن أساعد فريق الجسر على الإبحار على متن هذه السفينة الرائعة”.

ويعترف واتس بأن العمل خلال الجائحة في العامين الماضيين جعل الحياة في البحر أكثر صعوبة، وإجازة الشاطئ لم تكن ممكنة، والمسافة إلى المنزل بدت أبعد. لكنه ملتزم بالعمل في البحر ومتحمس للفرص المستقبلية.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى