منوعات

لكسبرس: من شيراك إلى ماكرون.. هكذا فقدت فرنسا نفوذها في أفريقيا | سياسة

في يناير/كانون الثاني 2013 بدا الجيش الفرنسي “منقذا” وبدت هيبة باريس وكأنها في السماء بعد أن سيطر جنود عملية “سرفال” على بلدات شمال مالي التي كان يسيطر عليها الجهاديون في لمح البصر، لكن تلك النشوة كانت مثل السلام قصيرة العمر، فقد غادر آخر الجنود الفرنسيين البلاد دون ضجة كبيرة بعد أقل من 10 سنوات حين طردهم المجلس العسكري الذي تولى السلطة في باماكو، ليتضاءل النفوذ الفرنسي في كل مكان من أفريقيا، مفسحا المجال لنفوذ موسكو وبكين.

بهذه المقدمة افتتحت شارلوت لالان مقالا في مجلة “لكسبرس” (L’express) الفرنسية تشرح فيه كيف تمت الاستعاضة عن الفرنسيين فورا بمن قالت إنهم مرتزقة روس، حيث إن هذه “الكلاب الحربية” السلافية -على حد تعبير الكاتبة- ليست في بداية تجربتها في أفريقيا، بل هي تجول وتصول هناك منذ عام 2018 وتحصل على الذهب والماس مقابل توفير الأمن لرئيس أفريقيا الوسطى الحالي فوستان آرشانج تواديرا.

ونبهت الكاتبة إلى أن الشركات الفرنسية فقدت نصف حصتها في السوق الأفريقية خلال 20 عاما لصالح الصين أو ألمانيا أو الهند بعد أن تزايدت المظاهرات ضدها من دكار إلى نيامي مرورا بإنجمينا، حيث خرج المئات يصرخون “ارحلي يا فرنسا”.

وردت الكاتبة بعض النفور الأفريقي من فرنسا إلى سياسات تعتبرها “قصيرة النظر وتضر بشكل دائم بفرنسا”، من بينها “رفع الرسوم الدراسية على غير الأوروبيين” كما تقول كورينتين كوهين في مذكرة لمؤسسة كارنيغي الدولية، و”إذا اقتصرت الفرانكوفونية على قول باريس للأفارقة “تحدثوا الفرنسية (…) لكن ابقوا في المنازل فإن الأمر سيكون غير منطقي” كما يرى باكاري صمنبا المدير الإقليمي لمعهد تمبكتو ومقره دكار.

“واترلو” فكرية وعسكرية وسياسية

ويقول المؤرخ الكاميروني أشيل مبيمبي إن فرنسا “لم تعد تمتلك الوسائل الضرورية لتحقيق طموحاتها”.

ويضيف مبيمبي -الذي كلفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2021 بالتفكير في “إعادة التأسيس” في أفريقيا- أن “فرنسا توشك أن تقع في “واترلو” فكرية وعسكرية وسياسية واقتصادية، أي في هزيمة كاملة لن يسعى أحد للتقرب منها بعدها” على حد تعبيره.

وعلى مر السنين ضاعفت باريس أخطاءها، فلم يسافر الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك ولا رئيس وزرائه ليونيل جوسبان إلى دكار لحضور جنازة الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سيدار سنغور الشاعر والأكاديمي ورمز الصلة بين فرنسا وأفريقيا.

وفي عام 2007 قال الرئيس نيكولا ساركوزي في خطاب علني إن “مأساة أفريقيا هي أن الرجل الأفريقي لم يدخل التاريخ بما فيه الكفاية”، كما اعتبر مبيمبي أن الشأن الليبي كان إحدى خطايا ساركوزي التي لم ينته تأثيرها بعد.

أما وريث هذا التاريخ الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون فقال أمام طلاب جامعة واغادوغو في بوركينا فاسو إنه يريد “إعادة اختراع الصداقة”، وهو الذي اعترف “بالمسؤولية الجسيمة” لفرنسا عن الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا عام 1994.

لكن الوجود العسكري الفرنسي -الذي يتمثل في 4 قواعد في السنغال وساحل العاج والغابون وجيبوتي، بالإضافة إلى عملية سرفال- يبغضه السكان، إذ “لا تزال فرنسا قوة استعمارية سابقة، وجنودها غير مرحب بهم هناك بشكل أساسي” كما تقول الكاتبة.

ورغم النجاح مرحليا في عملية سرفال التي تحولت إلى “برخان” لم يحدث ما كان متوقعا من الحكومات المحلية، ولكن فرنسا حافظت على دعمها للقادة المنبوذين وفضلت منذ فترة طويلة إستراتيجية “تتمحور حول الجيش”، واعتبرت أن الساحل منطقة عرض وساحة تدريب لرجالها ومعداتها، لتجد حصة في سوق السلاح.

ومع أن العديد من الدبلوماسيين حذروا من مخاطر الجمود والممارسات المشبوهة لبعض حلفاء فرنسا فإن إيفلين ديكور السفيرة الفرنسية السابقة في باماكو -التي لم تجامل في كلامها عن إدارة رئيس جمهورية مالي إبراهيم أبو بكر كيتا ونهج الجيش الفرنسي هناك- تقول إنها نبهت الخارجية الفرنسية وأجهزة المخابرات إلى ظهور الخطب المؤيدة لروسيا في باماكو، لتتوالى بعد ذلك الأخبار عن توقيع موسكو 30 اتفاقية للتعاون الأمني مع أفريقيا.

انتكاسة اقتصادية

من جهة أخرى، توضح الكاميرون -التي كانت فرنسا تهيمن عليها ذات يوم- الانتكاسة الأخرى الاقتصادية هذه المرة لسياسة فرنسا كما تقول الكاتبة، إذ أصبحت الصين اليوم هي المسيطرة باعتبارها المورد الأول للبضائع في حوالي 30 دولة، ولديها عقود تشمل المسرح الوطني الكبير في دكار، وميناء كريبي ذا المياه العميقة بالكاميرون، والطريق السريع إلى مطار نيروبي في كينيا، والبرج الأيقوني الأطول في أفريقيا تحت الإنشاء قرب القاهرة.

وتضيف الكاتبة أنه في حرب النفوذ هذه تبقى “الشركات الفرنسية بعيدة كل البعد عن أن تكون منافسة للشركات الصينية في عقود الأشغال العامة كما يقول وزير خارجية النيجر حسومي مسعودو، لأن الفرنسيين يفضلون أوروبا أو آسيا لأنهم يعتبروننا أسواقا صغيرة”.

وتختم بأنه على مدى 10 سنوات انخفض الاستثمار الفرنسي المباشر بنسبة 18% في الوقت الذي تدهورت فيه صورة باريس في نظر قادة الرأي لتحل في المرتبة التاسعة بين الشركاء الذين يعتبرون “الأكثر فائدة” للقارة، حسب ما تقول الكاتبة.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى