منوعات

“مجد الانتقام”.. بلاغة بصرية وصراع بلا نهاية | فن

يبدو هوس الانتقام منتشرا بشكل مبالغ فيه بين مبدعي الفنون البصرية الكورية الجنوبية، فأغلب الأعمال التي تم إنتاجها خلال السنوات الأخيرة تدور حول هذه التيمة، ولعل أشهرها فيلم “الولد العجوز” (Old Boy) 2003، الذي أخرجه بارك تشان ووك، وحصل على أكثر من 30 جائزة عالمية.

واللافت أن الفيلم مأخوذ عن المانغا اليابانية، وهي سلسلة من القصص المصورة التي تحول نجاحها إلى ظاهرة، إذ تعادل عائدات بيع نسخها أسبوعيا عائدات بيع نسخ القصص المصورة الأميركية.

وتعكس تيمة الانتقام واقعا اجتماعيا بائسا في المجتمع الكوري الجنوبي، ورغم أن الدولة تشهد نموا اقتصاديا أدى إلى ارتفاع مستوى الدخل الفردي، إلا أن المجتمع يشهد حالة ميلودرامية تظهر في ارتفاع معدل الانتحار الذي يصل إلى 38 شخصا يوميا.

وتحتل كوريا الجنوبية ترتيبا متأخرا في مؤشر السعادة بين شعوب العالم، إذ يعد المجتمع الكوري في الرقم 57، ولعل التنافسية الشديدة في ظل سوق رأسمالي متوحش، والتمييز الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين أفراد وطبقات المجتمع؛ أمور دفعت هؤلاء إلى أسفل سلم السعادة.

حصار المتنمرين

أحدث الأعمال التي تعالج تيمة الانتقام هو مسلسل “مجد الانتقام” (The Glory)، الذي تقوم بدور البطولة فيه الكورية سونغ هيو كيو، وهي عارضة وممثلة، تعتبر واحدة من أشهر ممثلات الهاليو (الموجة الفنية الكورية الجديدة) في آسيا والشرق الأوسط.

واكتسبت سونغ هيو شهرة عالمية بأدائها في مسلسلات الدراما خلال الأعوام الـ20 الأخيرة، مثل “الخريف في قلبي” Autumn in My Heart) 2000)، و”أول إن” All In) 2003)، و”منزل كامل” 2004 (Full House)، و”في فصل الشتاء، تهب الرياح” (That Winter, the Wind Blows 2013) وغيرها.

الانتقام نفسه هو موضوع المسلسل، وليس البحث عن أسبابه أو تحليل أدواته، رغم أن العمل يشمل الأذى الذي تتعرض له الضحية، ومن ثم نجاتها بعد أن تم تشويهها جسديا ونفسيا، وبدء تشكل ملامحها الجديدة وخططها للانتقام، ثم يستعرض العمل تنفيذ خطة الانتقام عبر 8 حلقات هي الجزء الأول من المسلسل الذي يعرض حاليا على نتفليكس.

تدور أحداث “مجد الانتقام” حول مون دونغ إيون تلميذة الثانوية التي تحلم أن تكون مهندسة، لكنها تتعرض لاعتداءات عنيفة ومتكررة من قبل مجموعة من زملائها، وهو ما يدفعها لترك المدرسة. بعد سنوات، يكبر الجميع، وتتزوج المتنمرات والمتنمرون، وتعود مون دونغ إيون لتعمل مدرّسة في المدرسة التي تلتحق بها ابنة زعيمة المتنمرين. لم يكن الأمر مصادفة فقد درست الضحية السابقة خطتها للانتقام من الجميع بدقة وبدأت في تنفيذها.

لم يكن ما تعرضت له تلميذة الثانوية دونغ إيون تنمرا بالمعنى المعتاد، ولكنه كان عبارة عن مجموعة من الجرائم الوحشية السادية، والتي شملت الحرق بمكواة الشعر؛ ما ترك آثارا في معظم أجزاء جسدها، كما تم خنقها وركلها حتى إنها كانت على شفا الموت.

لم يحاول السيناريو تحليل منابع تلك القسوة والوحشية، لكن إحالتها إلى التمييز الطبقي بين الفقراء والأغنياء وارد جدا، كما أشار الحوار نفسه في المسلسل، فضلا عن التمييز وفقا للنفوذ الذي يملكه الآباء في المجتمع، ورغم ذلك يبقى السؤال الذي لم تتم الإجابة عنه في العمل وهو المنابع النفسية لتلك السادية التي يفترض أن تكون ضمن تاريخ كل شخصية.

ورغم الهنات في السيناريو، جاءت الحلقات واعدة بمزيد من الإثارة، وتصاعد الصراع بشكل تدريجي، كما جاء الحوار كاشفا، ومفعما بالحيوية رغم الانفعالات المبالغ فيها أحيانا من الممثلة (جي يون ليم) والتي جسدت دور “بارك يون جين” زعيمة المتنمرين والطرف الرئيسي المستهدف من رحلة الانتقام.

لغة السينما

يحتوي المسلسل رغم كونه عملا تلفزيونيا على ملامح اللغة السينمائية الخالصة بما تشمله من اختزال، كما يحوي بلاغة بصرية مدهشة، ولعل أبسطها ذلك الذي أدركت خلاله زعيمة المتنمرين أن ضحيتها تطاردها بقوة، وتشرف على الفصل الدراسي لابنتها الطفلة وهي نقطة ضعفها، وبينما تشعل سيجارة يسقط اللهب منها على فستانها الثمين، فتقترب الكاميرا حتى يظهر بوضوح أول ثقب في الفستان الذي يغطي مجرمة متنمرة في صورة مذيعة نشرة جوية.

ورغم المؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية التي تقدم لانتقام دموي صاخب ومروع، إلا أن طبيعة هذا الانتقام جاءت بسيطة وغامضة في الوقت نفسه، إذ كشفت دونغ إيون الجميع أمام بعضهم البعض، فكشفوا خيانات الأزواج والزوجات، والأصدقاء والصديقات، وخسروا كل الامتيازات التي جعلتهم من البداية يمتلكون القدرة على التنمر عليها بدون دفع الثمن، باستثناء شخص واحد لم يكن لديه بالفعل ما يخسره سوى حياته وهو ما حدث بالفعل ولكن بشكل غامض وبدون عنف.

وثمة سيناريو ذكي يستلهم من لعبة الـ”غو” الكورية الجنوبية اتجاهات أحداثه، ويجعل من كل مباراة فيها صراعا موازيا للصراع الذي تدور أحداثه في الواقع الدرامي. وتتلخص لعبة الغو ذات الأصل الصيني في كيفية حفاظ اللاعب على الحريات المتاحة لقطعه، فإذا فقدت القطعة حريتها وقعت في الأسر وانتهت، وهذا ما فعلته إيون دونغ، إذ مارست لعبة غو على من أرادت الانتقام منهم وظلت تحاصرهم وتغلق أبواب حرياتهم حتى كشفتهم جميعا أمام الآخرين، فحققت انتقامها.

انحيازات ونفور

جاءت مشاهد التنمر التي تعرضت لها دونغ إيون مؤلمة، فالفتاة الهادئة تتعرض للكم والضرب والحرق من قبل زملائها وزميلاتها بدون أن تقاوم، وهو ما يدفع بالمشاهد للتعاطف معها مقابل كراهية المتنمرين.

وحين تقرر الضحية استعادة زمام حياتها، تبدو كأنها تحولت إلى آلة للانتقام، حتى إنها ترفض الابتسام، ورغم انحياز العمل لها طوال الحلقات الثمانية والتركيز على الحد الأدنى من إنسانيتها، وخاصة حين ترفض المساس بطفلة بريئة شاء حظها أن تكون ابنة لامرأة مجرمة وخائنة، فإن ذلك لا ينجح في جلب التعاطف مع الشخصية المنتقمة.

لم تكن دونغ إيون وحدها التي تعرضت للتنمر والاعتداء الوحشي، ولكن زميلة لها تعرضت للقدر نفسه من التنمر، إلا أنها فقدت حياتها في واحدة من الهجمات الوحشية، لكن ذلك لا يجعل دونغ إيون ناجية بالفعل، فقد ماتت الفتاة التي كانت تحلم أن تكون مهندسة، وتحولت إلى صورة مشوهة منها، ترغب في أن تصبح معلمة لتكون مشرفة على دراسة ابنة المعتدية وتستطيع من خلال ذلك السيطرة عليها.

لم تكن رحلة الانتقام خاصة بالبطلة وحدها، وإنما جاء المسلسل ليجسد رحلة انتقام كل من تعاونوا معها لإنجاح الخطة في الانتقام لأنفسهم عبر تنفيذ هذه الخطة.

وقد حقق المسلسل انتقاما من نوع ما لكل الضحايا، لكن الانتقام نفسه ليس استكمالا للمهمة التي بدأها المتنمرون الذين قتلوا إلا قليلا، ليأت الضحية فينتهي الأمر بنفسه ويفقد ما بقي من إنسانيته.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى