العالم

من الملاريا إلى كورونا.. أوبئة داهمت المصريين وأزهقت آلاف الأرواح | أخبار سياسة

القاهرة – عانت مصر عبر تاريخها من أوبئة وأمراض قاتلة بدأت منذ العصور القديمة، وكان أشهرها وباء الملاريا الذي قضى على الفرعون الشاب توت عنخ أمون -بحسب روايات تاريخية- مرورا بالطاعون والكوليرا والإنفلونزا بأنواعها وغيرها من الأمراض، وصولا إلى وباء كورونا الذي ضرب العالم على مدى العامين الماضيين.

وبينما احتفل العالم الاثنين الماضي 25 أبريل/نيسان الحالي باليوم العالمي لمكافحة الملاريا تحت شعار “تسخير الابتكار لتخفيف عبء الملاريا وإنقاذ الأرواح”، لا تزال ذاكرة المصريين تحمل عشرات المآسي التي خلفتها أوبئة أزهقت أرواح مئات الآلاف من الأشخاص.

فما أبرز هذه الأوبئة؟ في التقرير التالي بعض التفاصيل.

الملاريا

يعد وباء الملاريا من أقدم الأمراض المعروفة التي استوطنت مصر منذ العصور القديمة، وفتكت بالآلاف من المصريين، وقد اكتشف علماء الآثار نقوشا على جدران معبد دندرة -فترة الحكم البطلمي- تصوّر حالات الإصابة بمرض الملاريا.

ومؤخرا أظهرت نتائج تحليل الحمض النووي والمسح بالأشعة المقطعية لمومياء الملك الفرعوني الشهير توت عنخ أمون أنه قد توفي عام 1325 قبل الميلاد متأثرا بمضاعفات مرض الملاريا. وقد عرف الفلاح المصري الملاريا تحت اسم “الحمى الرعاشة” لما يصاحب المرض القاتل من نوبات رعشة وحمى.

ويذكر الأكاديمي المصري رضا عبد الفتاح في دراسته “وباء الملاريا في مصر 1942-1945” أن عدد المصابين بالملاريا في مدينة الإسماعيلية (شرق) بلغ 335 فردا عام 1877، وبلغ معدل الإصابات في المدينة منذ عام 1894 وحتى عام 1897 أكثر من 1700 مصاب.

ويذكر تقرير المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر عام 1905 أن 25% من سكان حي الفجالة بوسط القاهرة يصابون بالملاريا كل عام، في حين بلغت نسبة الإصابات السنوية في حي البساتين 100%، ونحو 75% في حي الأربعين بالسويس.

وفي بداية الأربعينيات من القرن الـ20 تعرضت مصر لموجة وبائية حادة من مرض الملاريا بدأت في مارس/آذار 1942 في محافظة أسوان جنوبي البلاد، وانتقلت شمالا لتصل مع نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه إلى مدينة منفلوط شمالي أسيوط.

عمال الصحة يتفقدون بركة مياه في إحدى القرى المصرية للبحث عن بعوضة "أنوفيليس غامبيا" التي نقلت وباء الملاريا إلى مصر المصدر: المكتبة الوطنية للطب National Library of Medicine
عمال الصحة يتفقدون بركة مياه بقرية مصرية عام 1943 للبحث عن البعوضة التي نقلت وباء الملاريا (المكتبة الوطنية للطب)

وخلّفت الموجة الوبائية التي انتهت عام 1945 خسائر بشرية ومادية فادحة، وراح ضحيتها نحو 20 ألفا من أهالي مديريات جنوب الصعيد، بجانب التكاليف المادية الباهظة لأعمال المكافحة وتوفير العلاج وتعطل عمليات الإنتاج الزراعي في المناطق الموبوءة، وفقا لدراسة عبد الفتاح.

ولم يتوقف الوباء عند محافظات الصعيد لكنه انتقل إلى القاهرة والإسكندرية، وعمّ الدلتا ومدن القناة. وتقدر إحصائيات وباحثون عدد ضحايا مرض الملاريا الذي اجتاح مصر في عشرينيات القرن الماضي وأثناء الحرب العالمية الثانية، بنحو 100 ألف ضحية أغلبهم من محافظات الصعيد.

ورغم القضاء على المرض، فإن الملاريا لا يزال من الأمراض التي تهدد المصريين، وقدر رئيس قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة المصرية عمرو قنديل في تصريحات عام 2017 عدد الإصابات السنوية في مصر بنحو 300 حالة.

وفي مارس/آذار الماضي أعلنت السلطات رصد حالات إصابة بمرض الملاريا بين العائدين من الكاميرون، التي استضافت بطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم الأخيرة، ومن بينهم الصحفي محمد غنيم (37 عاما) الذي دخل في غيبوبة نتيجة تدهور حالته الصحية.

خطر هدد الجميع فكل صارخ من مصيره المحتوم

إن دها منزلا رأيت ذويه بين فان يمضي وحي سقيم

فادخل البيت لست تبصر فيه غير أم ثكلى وطفل يتيم

الكوليرا

بهذه الأبيات وصف الشاعر المصري الشيخ محمد رجب البيومي مأساة وباء الكوليرا الذي ضرب مصر عام 1947، وذلك خلال في الموجة العاشرة والأخيرة للوباء الذي خلف آلاف الضحايا.

وتشير محاضرة نادرة عن وباء الكوليرا للدكتور سيف النصر أبو ستيت طبعتها وزارة المعارف العمومية عام 1948، إلى أن الكوليرا ضربت مصر 10 مرات في تاريخها الحديث منذ عام 1831 وحتى عام 1947.

جاءت الموجة الأولى لوباء الكوليرا عام 1831 في عهد محمد علي باشا، وانتشرت بشكل مرعب، وفشلت السلطات في التصدي لها، ليصل عدد الوفيات اليومية إلى 3 آلاف شخص، قبل أن تنحسر فجأة، وفقا لأبو ستيت.

وتقدر الإحصائيات أن الوباء حصد أرواح 150 ألفا من المصريين (6% من سكان البلاد آنذاك)، بينهم 36 ألفا في القاهرة وحدها، ونحو سدس سكان مدينة الأقصر، كما ذكر روبير سوليه في كتابه “الرحلة الكبرى للمسلة”.

ثم توالت موجات الوباء تحصد آلاف الأرواح، وكانت الموجة السادسة التي ضربت البلاد عام 1865 من بين أشد موجات الوباء، وقدر عدد الوفيات فيها بحوالي 60 ألفا خلال 3 أشهر. وعام 1883 تعرضت البلاد لموجة وبائية جديدة بدأت من مولد الشيخ أبو المعاطي بدمياط (شمال)، وانتشرت في أغلب محافظات الوجه البحري، وأدت إلى وفاة 36 ألفا من مواطنيها -وفقا لأبو ستيت- وانتقلت إلى الجيزة والقاهرة.

وقدر رئيس الجمعية الصحية الوطنية الإنجليزية الدكتور إرنست هرت في مقال نشرته مجلة المقتطف في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1893، العدد الإجمالي لوفيات هذه الموجة بأكثر من 58 ألف حالة وفاة.

ومع بداية القرن الـ20 شهدت مصر واحدة من أسوأ موجات الوباء التي بدأت من قرية موشا بمحافظة أسيوط، لتنتقل بعدها إلى باقي البلاد، وأدت إلى موت 34 ألفا و595 مواطنا، في حين بلغ عدد المناطق المصابة 2026 قرية ومنطقة.

وفي سبتمبر/أيلول 1947 اجتاح وباء الكوليرا الأراضي المصرية للمرة الأخيرة، وكانت بؤرة الوباء قرية القرين بمحافظة الشرقية، وأسفر الوباء هذه المرة عن سقوط 10 آلاف و276 ضحية. وكتب أمير الشعراء أحمد شوقي أبياتا في رثاء شهداء هذه الموجة من الوباء مقدرا عددهم بخمسين ألفا قائلا:

 

خمسون ألفا في المدائن صادهم شرك الردى في ليلة ونهار

ذهبوا فليت ذهابهم لعظيمة مرموقة في العصر أو افخار

فالموت عند ظلال (موشا) رائع كالموت في ظل القنا الخطار.

الإنفلونزا  الإسبانية

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، اجتاحت العالم 3 موجات من وباء أطلق عليه الإنفلونزا الإسبانية ليحصد أرواح 50 مليونا من البشر في أنحاء المعمورة منذ عام 1918 وحتى 1920.

ولم تكن مصر بعيدة عن هذا الوباء الذي ظهر في أراضيها أواخر ربيع عام 1918، وبلغ عدد ضحاياها في مصر بين 139 و170 ألف حالة وفاة من بين نصف مليون إصابة أغلبهم من الشباب.

وبحسب تقارير الصحف المصرية المنشورة في فترة تفشي الوباء وبعض كتابات المؤرخين الأجانب، فإن الإنفلونزا الإسبانية أثرت على الحياة في كل ربوع مصر، حتى إن بعض القرى الريفية لم يكن لها عمل سوى دفن الموتى، وألغيت احتفالات المولد النبوي ومنعت الجنازات.

ويشير المؤرخ الأميركي كريستوفر روز في بحثه عن تأثير الإنفلونزا الإسبانية على مصر، إلى أن الكثير من الإجراءات الحكومية لمواجهة الوباء كانت عشوائية، فبينما أغلقت الأسواق والمحاكم والجامعات، ظلت المدارس مفتوحة حتى أوائل ديسمبر/كانون الأول 1918، وهي فترة ذروة الموجة الثانية للوباء والتي كانت الأشد فتكا.

وفي القاهرة أغلقت دور السينما والحانات، في حين ظلت المسارح والمقاهي مفتوحة، وظل الازدحام في خطوط الترام بالقاهرة والإسكندرية سمة بارزة رغم انتشار الوباء.

كورونا

في نهاية عام 2019 أطل شبح وباء كورونا من مدينة ووهان الصينية، قبل أن ينتقل إلى العالم بأسره خلال عام 2020، ليصيب أكثر من 500 مليون شخص ويقتل أكثر من 6 ملايين منهم حتى الآن.

ومنذ ظهوره ظلت السلطات المصرية تنفي وجود أي حالات إصابة بالوباء الجديد في البلاد، حتى مارس/آذار 2020 حين بدأت حالات الإصابة في الظهور والانتشار بشكل واسع، مما دفع السلطات إلى عزل عدة مدن وقرى في محافظات الجمهورية، لكن هذه الإجراءات لم تمنع تفشي فيروس كورونا.

وبلغ عدد الإصابات بفيروس كورونا في مصر وفق الإحصائيات الرسمية 516 ألف إصابة حتى يوم الثلاثاء 26 أبريل/نيسان 2022، لتحتل المركز 180 عالميا من حيث إجمالي الإصابات لكل مليون نسمة (2922 حالة إصابة لكل مليون نسمة)، والمركز 78 في عدد المصابين بالفيروس.

وبلغ عدد حالات الوفاة في مصر نتيجة الإصابة بالفيروس 24 ألفا و613 وفاة، تحتل بها المركز العاشر عالميا في نسبة الوفيات من إجمالي عدد المصابين.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى