منوعات

ميزانيات متناقضة.. لماذا تتجاهل واشنطن أميركا الوسطى والجنوبية وتهتم بالشرقين الأوسط والأقصى وأوروبا؟ | سياسة

واشنطن – أنفقت الإدارات الأميركية المتعاقبة ما يقرب من 3 تريليونات دولار على حروبها بأفغانستان والعراق، ونحو 55 مليار دولار لدعم أوكرانيا في غضون عدة أشهر. وبالمقابل، خصصت ميزانية لا تزيد عن 2.2 مليار دولار عام 2022 لكل دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، رغم أنها الأقرب جغرافيا ولها التأثير الأكبر على حياة الأميركيين اليومية.

ورغم أن 63 مليون أميركي (19% من إجمالي السكان) تعود أصولهم لدول أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، لا ينعكس ذلك على تعامل واشنطن مع شؤون هذه المنطقة شديدة الأهمية للمصالح الأميركية.

ويظهر التجاهل الأميركي لهذه المنطقة واضحا في تغطية الإعلام الأميركي، أو خلال نقاشات لجان الكونغرس المختلفة، أو دراسات مراكز الأبحاث المرموقة، وذلك على حساب الاهتمام المكثف بقضايا الشرقين الأقصى والأوسط والقارة الأوروبية.

عمال في مجال الزراعة يعودون كل ليلة لبيوتهم على الجانب المكسيكي من الحدود مع الولايات المتحدة (الجزيرة)

هوّة تاريخية و”ازدراء”

ولا يُعد الحديث عن الهوّة بين واشنطن والأميركتين ظاهرة حديثة على الإطلاق؛ ففي عام 2006، كتب رئيس مؤسسة الحوار الأميركي حكيم بيتر في مجلة “فورين أفيرز” محذرا من “خسارة واشنطن الأميركتين” (اللاتينية ومنطقة الكاريبي). واعتبر أن علاقات واشنطن مع هذه المنطقة الهامة لا تخرج عن الاهتمام فقط في وقف الهجرة والسيطرة على تهريب المخدرات.

من هنا، لم تكن كلمات الرئيس المكسيكي لوبيز أوبرادور الحادة والموجّهة للرئيس الأميركي جو بايدن حول تجاهل واشنطن للأميركتين، إلا انعكاسا لحقيقة واقعة يبدو من الصعب تغييرها في المستقبل القريب.

وطالب أوبرادور نظيره الأميركي جو بايدن في مستهلّ قمة ثنائية بمدينة مكسيكو أول أمس الاثنين، بأن تنهي الولايات المتحدة “ازدراءها” لأميركا اللاتينية. وأضاف “حان الوقت لإنهاء هذا النسيان، هذا التخلّي، هذا الازدراء لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي”.

مصالح واشنطن في “الأميركتين”

قبل سنوات، حدّدت مجموعة من 23 شخصية رفيعة، من بينهم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ وأكاديميون ومحللون في مراكز أبحاث، 5 مصالح أميركية حيوية لواشنطن في دول أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، على النحو التالي:

  • منع وردع والحد من خطر هجمات الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية على الأراضي الأميركية.
  • ضمان استقرار حلفاء واشنطن وتعاونهم النشط مع الولايات المتحدة.
  • منع ظهور قوى كبرى معادية أو دول فاشلة على حدود الولايات المتحدة.
  • ضمان استمرارية واستقرار النظم العالمية الرئيسية (التجارة والأسواق المالية، وإمدادات الطاقة، والبيئة).
  • إقامة علاقات مثمرة، بما يتفق مع المصالح الوطنية الأميركية، مع الدول التي يمكن أن تصبح خصما إستراتيجيا إلى جانب الصين وروسيا.

وينظر الكثير من شعوب وحكومات دول الأميركتين إلى مصالح واشنطن على أنها تحديث “لمبدأ مونرو”، الذي تبنته الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الـ19، ومؤداه أن أي محاولة تقوم بها أي دولة للسيطرة على بلد في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمعه، سيُنظر إليها على أنها عمل عدائي ضد الولايات المتحدة.

Welcome ceremony for the North American Leaders' Summit in Mexico City
واجه بايدن (يسار) تساؤلات حادة من الرئيس المكسيكي لوبيز أوبرادور (يمين) خلال قمة قادة أميركا الشمالية في مكسيكو سيتي (رويترز)

إلى متى يستمر التجاهل؟

تنتقد الدول الأميركية تجاهل واشنطن لها مقارنة ببقية أقاليم العالم، في حين تعتبر واشنطن أن نطاق التزاماتها الدولية لا يتيح لها رفاهية تجاهل قضايا العالم لصالح قضايا الأميركتين.

وتخلّى الرئيس المكسيكي خلال استقباله بايدن عن الدبلوماسية، ووجه نقدا لاذعا لواشنطن، وقال إن “الولايات المتحدة لم تفعل الكثير لدعم التنمية في أميركا اللاتينية منذ مبادرة الرئيس جون كينيدي المعروفة باسم التحالف من أجل التقدم في أول ستينيات القرن الماضي”، قبل أن يضيف أن “هذه هي اللحظة المناسبة لنا لنقرر التخلص من هذا التجاهل وهذا الازدراء لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي”.

ورد بايدن بقوة، وقال إن بلاده “تقدم مساعدات أجنبية أكثر من أي دولة أخرى.. ليس فقط لنصف الكرة الأرضية، ولكن في جميع أنحاء العالم”. وأضاف “لسوء الحظ، لا يقتصر دورنا على نصف الكرة الغربي. إنه في وسط أوروبا، في آسيا، في الشرق الأوسط، في أفريقيا”.

لم يمنع السور- الجدار الحديدي الفاصل بين الولايات المتخدة والمكسيك بالقرب من بلدة سمرتون في جنوب أريزونا مئات الالاف من المهاجرين غير الشرعيين من العبور من تحت او فوق السور
أقامت الولايات المتحدة جدارا حديديا فاصلا على حدودها مع المكسيك لمنع تدفق المهاجرين غير النظاميين (الجزيرة)

قلق من الصين

تقلق واشنطن من الوجود الصيني المتزايد في دول أميركا اللاتينية والكاريبي. ويرى بعض أعضاء الكونغرس أن الصين هي التحدي الأكثر خطورة للمصالح الأميركية في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

ويستشهدون بالموارد المالية الضخمة التي تعِد الصين بجلبها إلى أميركا اللاتينية، وعلاقاتها العسكرية المتنامية في المنطقة، وطموحاتها السياسية الواضحة هناك، باعتبارها تهديدات محتملة للركيزة طويلة الأمد للسياسة الأميركية في نصف الكرة الأرضية، وهي مبدأ “مونرو”، طبقا لرئيسة منتدى العلاقات الأميركية ريبيكا بيل شافيز.

وتقول شافيز إن اهتمام الصين بأميركا اللاتينية كبير ومتوسع، وقد أصبحت المنطقة مصدرا حيويا للمواد الخام والمواد الغذائية للصين. وفي السنوات الست الماضية، نمت الواردات الصينية من أميركا اللاتينية بأكثر من 6 أضعاف.

وأضحى دخول الصين إلى الأميركتين هو القضية الأكثر أهمية لواشنطن في رؤيتها لشؤون نصف الكرة الغربي، وهو ما ظهر بوضوح في إستراتيجية الأمن القومي لإدارة بايدن والتي صدرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويرى إريك فارنسورث نائب رئيس جمعية الأميركتين البحثية في واشنطن، أن العديد من الخبراء في أميركا اللاتينية يرون أن الصين “قوة إمبريالية جديدة”، وأن الولايات المتحدة هي “الإمبريالية القديمة”.

وتسعى بكين إلى دعم طموحاتها العالمية من خلال الحضور القوي في منطقة الأميركتين. كما أن علاقتها الوطيدة مع دول تُقاطعها واشنطن، مثل فنزويلا وكوبا، يسمح للصين ببسط نفوذها الاقتصادي، إضافة للترويج لنموذج الحكم الذي تطبقه اعتمادا على أحكام الأمن الداخلي وسيطرة الدولة على المجتمع من خلال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

ويقول فارنسورث “بينما تسعى الصين إلى المزيد من التجارة مع المنطقة، وتتحدث عن بناء الجسور، لا تتوقف الولايات المتحدة عن بناء جدار على حدودها الجنوبية، وتتشدد تجاه حرية التجارة ومرونة تحرك البضائع والأموال بينها وبين دول الأميركتين”.

نصائح إستراتيجية

على الرغم من الجهود التي تبذلها إدارة بايدن لتجديد إستراتيجية التعامل مع أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، لا يتوقع أحد نجاحا سريعا لردم الصدع قريبا.

ولم تدفع قمة الدول الأميركية التي انعقدت في يونيو/حزيران الماضي بمدينة لوس أنجلوس، إلى ردم هوة عدم الثقة في السياسات الأميركية.

من هنا تقترح دراسة لعدد من الخبراء بمعهد السلام الأميركي إستراتيجية ثلاثية الأبعاد، تطلب تغييرا في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى نصف الكرة الغربي، وهي:

  • يجب على واشنطن أن تدرك أن دول المنطقة مختلفة فيما بينها

تتعامل واشنطن مع 30 دولة في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي دون إدارك التمايز لكل دولة على حدة، بل تنظر إلى هذه الدول كمصدر لتهديدات الهجرة والجريمة العابرة للحدود، والمؤسسات الضعيفة والفساد والنفوذ المتزايد للصين.

وطالبت الدراسة واشنطن بتكبّد عناء فهم الاختلافات العميقة بين بلدان المنطقة، وهو ما يُسهل من فتح أفق أفضل للتعامل مع المنطقة.

  • المنطقة تبحث عن الحوار وليس التوجيه

تُسيطر على النخبة الأميركية مقولة مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، عام 2019، بأن “عقيدة مونرو حية وبصحة جيدة”، في انعكاس عميق لإيمان نخبة واشنطن بحقها في قيادة المنطقة، وهو منظور عفا عليه الزمن بشكل سيئ.

وفي عالم اليوم، لا ينبغي لواشنطن أن تحاول تحديد أولويات نصف الكرة الغربي، خاصة وأن شعوب المنطقة تنظر إلى المبادرات الأخيرة بشأن الهجرة الإقليمية والمساعدات الأميركية على أنها تعالج في المقام الأول مخاوف واشنطن بشأن حدودها ومصالحها التجارية.

  • حان الوقت للنظر إلى ما وراء الاختلافات الأيديولوجية

ترفض كل دول الأميركتين نهج واشنطن تجاه كوبا وفنزويلا، ويجب على واشنطن مراعاة واحترام اختلاف المواقف، بدلا من استخدامها كمبرر لعقاب دولة ما أو تخفيض العلاقات معها، طبقا لدراسة معهد السلام.

وتفرض واشنطن عقوبات على كوبا منذ خمسينيات القرن الماضي، في وقت فرضت فيه عقوبات على فنزويلا عقب نجاح أحزاب اشتراكية في السيطرة على الحكم عام 2014.


تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى