منوعات

“وثيقة الاستقرار”.. إبعاد قسري إسرائيلي لنساء من الضفة متزوجات في غزة | حريات

غزة- لم تعلم الفلسطينية سهير حنون، عند توقيعها على وثيقة تُسمى “تصريح بشأن الاستقرار”، أنها وافقت بذلك على إقرار بالإقامة الدائمة في قطاع غزة والتنازل نهائيا عن حقها بالعودة إلى أهلها ومسقط رأسها في الضفة الغربية.

وسهير ليست حالة استثنائية، بل تتشابه حكايتها مع قصص نساء أخريات من مواليد الضفة تزوجن وانتقلن للعيش في قطاع غزة منذ سنوات، ووجدن أنفسهن مضطرات لهذا الاختيار القاسي، بالتوقيع على “وثيقة الإبعاد”، كما وصفتها مؤسسة “مسلك” الحقوقية الإسرائيلية التي قالت إنها ترقى إلى “جريمة حرب”.

تتكون هذه الوثيقة من ورقة واحدة مكتوبة بالعربية، بلغة قانونية، تجعل من التوقيع عليها ملزما بالتنازل عن حق الانتقال من قطاع غزة للعيش في الضفة الغربية.

تحت ضغط الحاجة للعودة إلى أطفالهن وأزواجهن اضطرت عشرات الفلسطينيات لتوقيع وثيقة “الاستقرار” في غزة (رويترز)

ترحيل قسري

ولدت سهير حنون (46 عاما) في مدينة نابلس شمالي الضفة، وتزوجت عام 1999 من أحد سكان غزة، وانتقلت للإقامة معه بحكم العادات، ولأن إسرائيل لا تسمح لأهالي غزة بالانتقال للعيش في الضفة. في حين أن الأمر يبدو أسهل قليلا بالنسبة لبعض الفلسطينيين من الضفة -وغالبيتهم نساء- للانتقال والاستقرار في القطاع بدافع الزواج.

مطلع العام الماضي، كانت سهير في طريقها لزيارة أهلها في نابلس عبر معبر بيت حانون (إيرز) الذي يربط القطاع بباقي المناطق الفلسطينية المحتلة والخاضع للسيطرة الإسرائيلية.

وعلى المعبر، اضطرت سهير لتوقيع الوثيقة، وقالت للجزيرة نت إن “الوثيقة باللغة العبرية مع بضع كلمات بالعربية، لم تكن واضحة بالنسبة لي، ولم أدرك تبعاتها ولم يشرحوا لي محتواها وأبعادها، والنتيجة أنها قطعت صلتي مع عائلتي”.

ولا يوجد إحصاء دقيق بأعداد النساء اللواتي اضطررن للتوقيع على هذه الوثيقة، غير أن المنظمة الحقوقية الإسرائيلية تقول إنها تعاملت منذ عام 2010 مع ما لا يقل عن 80 ملفا لحالات مماثلة لحالة سهير حنون.

ولا تسمح إسرائيل للمقيمين في غزة بالوصول إلى الضفة إلا في نطاق ضيق للغاية، وبموجب تصاريح خاصة ومحدودة تصدرها لاحتياجات إنسانية ملحة كحالات الوفاة والمرض الشديد، وليس بصورة دائمة.

وفي حالة سهير، فقد حصلت على تصريح إسرائيلي مطلع عام 2021 لزيارة شقيقها الذي استدعت حالته الصحية الخضوع لعملية قلب مفتوح، وبعد سنوات لم تتمكن خلالها من الحصول على تصاريح لمناسبات أخرى كوفاة والدها عام 2008، وزواج شقيقها عام 2016.

وقالت سهير “كنت في لهفة لرؤية شقيقي المريض وأفراد عائلتي، ولم أدرك خطورة وثيقة الاستقرار”. وتضيف “أنا شديدة الحذر غالبا، ولو أخبروني أن الوثيقة تعني تنازلي عن حق العودة والعيش في الضفة، لما وقعت عليها بالمطلق، حتى لو كان ثمن ذلك حرماني من الزيارة التي انتظرتها 10 سنوات”.

وكانت سهير قد تمكنت من زيارة عائلاتها في نابلس آخر مرة عام 2011، وحصلت على التصريح بعد تدخل المؤسسة الحقوقية المعنية بحرية الحركة “مسلك”، بهدف زيارة والدتها المريضة، ومنذ ذلك الحين تقابل سلطات الاحتلال طلباتها للحصول على تصاريح زيارة إما بالرفض أو التجاهل.

وفوجئت سهير عند وصولها معبر “إيرز” -في طريق عودتها إلى غزة من زيارتها الأخيرة العام الماضي- بموظف إسرائيلي يطالبها بشكل ضاغط وبلغة الإشارات أن توقع على وثيقة مشابهة، ووجدت نفسها مضطرة لذلك للعودة إلى زوجها وأبنائها الأربعة في غزة.

وباستثناء علاقة تواصل تتيحها منصات التواصل الاجتماعي، فإن أبناء سهير لم يتمكنوا من زيارة أخوالهم في الضفة منذ نحو 18 عاماً.

وتصف سهير حالتها بأنها في “حكم المبعدة”، وتقول “الواقع المعيشي في غزة بائس، وتقدمت قبل بضعة شهور بطلب للحصول على تصريح للعودة بأبنائي والعيش في الضفة، ولكن إسرائيل رفضت، بسبب توقيعي على وثيقة الاستقرار”.

A Palestinian woman presents her document at Erez crossing with Israel, in the northern Gaza Strip November 1, 2017. REUTERS/Mohammed Salem
سيدة فلسطينية تقدم أوراقها الرسمية على حاجز “إيرز” حيث تعتبر النساء أكثر ضحايا الإبعاد القسري إلى غزة (رويترز)

نظام وحشي

ملف سهير هو أحد الملفات التي تعكف منظمة “مسلك” على متابعتها، وقد تواصلت الجزيرة نت مع مقر المنظمة الحقوقية الإسرائيلية في مدينة حيفا، واكتفى مسؤول فيها بإرسال تقرير مفصّل صدر عنها حديثاً كتعليق منها على الإجراء الإسرائيلي.

وفي التقرير، وصفت المنظمة “وثيقة الاستقرار” بأنها “نظام وحشي” للإبعاد القسري لفلسطينيين من سكان الضفة، ويقيمون في غزة، وغالبية المتضررين من النساء.

وقال التقرير إن “الشكل الذي تستخدم فيه إسرائيل هذا النظام كمبرر لحظر عودة فلسطينيين وفلسطينيات للسكن في الضفة، حتى لو كانوا مسجلين كسكان الضفة في سجل السكان الفلسطيني، يشكل عمليا ترحيلا قسريا وانتهاكا خطيرا للقانون الدولي بما يرقى إلى جريمة حرب”.

ورأت في هذا النظام جزءا من “السياسات الإسرائيلية على مر السنوات التي تهدف إلى فصل غزة عن الضفة الغربية وتخدم أهداف ديموغرافية وسياسية باطلة”.

واتهمت المنظمة الحقوقية إسرائيل باستغلال حاجة النساء الأساسية لزيارة عائلاتهن الضفة، وفي إطار الظروف الإنسانية الضيقة التي تحددها لمنحهن التصريح، من أجل إجبارهن على التوقيع على الوثيقة.

وفي حالات كثيرة، يقول التقرير “تضطر النساء للتوقيع عليها تحت الضغط والتخويف، حيث يتعرضن للابتزاز ويكون التوقيع شرطا للعبور سواء لزيارة عائلاتهن في الضفة أو للعودة إلى أسرهن في غزة”.

وأكدت “مسلك” أنه “في ظل هذا النظام الوحشي، مَن ترفض التوقيع على وثيقة الاستقرار تُمنع من الخروج عن طريق معبر إيرز لأي غرض كان”.

واستندت المنظمة الحقوقية إلى القانون الدولي في عدم مشروعية هذه الوثيقة، وطالبت إسرائيل بإلغاء هذا النظام غير القانوني فورًا، والتوقف عن الترحيل القسري لفلسطينيين يعيشون تحت احتلالها.

الضحية الأكبر

وتلجأ نساء أصابهن الضرر من هذه الوثيقة لجمعية “عائشة لحماية المرأة والطفل” في غزة، طلبا للمساعدة. وحسب منسّقة “العيادة القانونية” في الجمعية المحامية هبة الدنف، فإن للتوقيع على الوثيقة تداعيات نفسية واجتماعية خطيرة على النساء وأسرهن.

وقالت الدنف -للجزيرة نت- إن “النساء هن الضحية الأكبر لهذا الإجراء الذي يرقى لجريمة حرب، مع أنه يشمل كذلك الرجال”، مضيفة أنه “ترحيل قسري، وتحديد إقامة بشكل عنجهي”.

وتتنافى هذه الوثيقة -حسب الدنف- مع القوانين والمواثيق الدولية، التي تمنح كل إنسان الحق في التنقل واختيار المكان المناسب لإقامته وحياته. غير أن الاحتلال “يحرم الفلسطيني من هذا الحق حتى داخل حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة”.




تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى