منوعات

يصيب نصف سكان العالم.. هل سيكون قصر النظر هو الوباء القادم؟

حين زحف وباء “كوفيد-19” من الصين مُجتاحا العالم، ومُجبرا الدول على الإغلاق، أصبحت الشاشات هي نافذتنا الوحيدة على العالم. وعلى ما يبدو فقد أسهمت شهور الإغلاق تلك في سرعة تطور “وباء” آخر حذَّر منه العلماء سابقا، وتكمن خطورته في أنه يزحف ببطء ودون ألم؛ إنه قصر النظر الذي حذَّرت منظمة الصحة العالمية من أن تصل معدلات انتشاره إلى 50% من سكان العالم بحلول عام 2050، فهل سيكون قصر النظر هو الوباء القادم حقا؟ وهل هو بمثل تلك الخطورة؟

خطر صامت يقترب

يمكن لمَن يعانون من قصر النظر رؤية الأشياء القريبة بوضوح؛ الكلمات على الورق وعلى الشاشات تبدو واضحة، لكن رؤيتهم للأشياء الأبعد تكون ضبابية، فيحتاجون إلى النظارات أو العدسات اللاصقة خلال القيادة مثلا أو للتعرف على وجوه العابرين في الشارع، مشكلة يمكن علاجها بالاستعانة بالنظارات الطبية أو العدسات أو إجراء عمليات تصحيح الإبصار، لكن مضاعفاتها في ظل زيادة الأعداد والإصابة بها منذ عمر مبكر هي ما يُثير القلق. (4)

 

في عام 2016، نشرت دورية “Ophthalmology” المتخصصة في طب العيون دراسة حول الانتشار العالمي لقصر النظر، ووفق البيانات المتاحة فقد سجَّل ارتفاعا ملحوظا بداية من عام 2000، في الولايات المتحدة على سبيل المثال كانت نسبة المصابين بقصر النظر 25% في أوائل السبعينيات، لتقفز إلى نحو 42% بعد ثلاثة عقود فقط، بحيث توقَّع الباحثون أن يصيب نصف سكان العالم بحلول عام 2050، لينهمك الباحثون في بحث أسباب المشكلة ومعدلات الانتشار الحقيقية وكيف يمكن الحد منها، حتى قبل سنوات من الجائحة التي فرضت الإغلاق في مطلع عام 2020. (1) (2). وفي السياق ذاته، كشفت دراسة نشرتها مجلة “بلوس وان” (PLOS ONE) مطلع العام الجاري عن زيادة أعداد المصابين بقصر النظر في المملكة المتحدة. (3)

في عام 2020، أصدرت مؤسسة “بيسيون إي بيدا” (Visión y Vida) المتخصصة في التوعية بصحة العين في إسبانيا تقريرا بعنوان “وباء قصر النظر”، مُحذِّرة من زحفه الصامت الذي لا يُحذِّرنا منه الألم، فوفق بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO) كان هناك 180 مليون شخص في العالم يعانون من إعاقة بصرية بينهم 40 مليون كفيف، كثير من هذه الحالات كان بالإمكان علاجها، إذ تسبَّبت فيها أمراض الشبكية وإعتام عدسة العين غير المعالج أو أمراض أخرى مثل مرض السكري.

أشار التقرير إلى أن اثنين من كل عشرة مواطنين في إسبانيا لم يخضعوا أبدا للفحص البصري، وهذا يعني استحالة اكتشاف أمراض مثل الجلوكوما (المياه الزرقاء) التي تُعَدُّ “اللص الصامت للرؤية”، إهمال الكشف الدوري يعني أن اكتشاف المرض يحدث عندما يكون الأمر قد اتخذ منعطفا لا رجوع منه. وأوضح التقرير أن قصر النظر هو “جائحة القرن الحادي والعشرين”، ومع ذلك فلا يزال بوسعنا الوقاية والسيطرة على تطور العديد من الحالات إلى الأسوأ، لأنه حين يزيد قصر النظر على 5 ديوبتر (وحدة قياس قوة العدسة) تزيد احتمالات تسبُّبه في مشكلات تُصيب الشبكية، مثل انفصال الشبكية وأمراض العصب البصري. (5)

الشاشات ليست السبب الأكبر

(رويترز)

تلعب العوامل الوراثية دورا بالطبع، لكن الارتفاع في حالات الإصابة في السنوات الأخيرة أثار التساؤلات ودفع العديد من الباحثين إلى محاولة إيجاد السبب المحتمل، أنماط الحياة اليوم كانت أحد أسباب هذه الزيادة، وفق دراسة دورية “Ophthalmology” فإن الرؤية من قريب لفترات طويلة خلال القراءة وممارسة الألعاب على الشاشات في ظل مستويات إضاءة سيئة، وانخفاض مستويات النشاط الخارجي، تُفاقم الزيادة في معدلات انتشار قصر النظر. (6)

لكن الشاشات ليست متهمة في حد ذاتها، الضوء المنبعث من الشاشات لا يُسبِّب قصر النظر، ولدينا اليوم عدة طرق لوقاية أعيننا من الضوء الأزرق. في الحقيقة، يتعلق الأمر بالرؤية من قريب التي نعتادها، كما يتعلق بغياب الضوء الطبيعي، إذ لم يعد الصغار يقضون أغلب أوقاتهم في اللعب بالخارج كما كان في الماضي. (7)

في دراسة نشرتها مجلة “جاما أوبتالمولوجي” (JAMA Ophthalmology) عام 2020، رصد الباحثون انخفاضا كبيرا في حِدَّة البصر بين ما يزيد على 100 ألف من أطفال المدارس الابتدائية في الصين بعد إغلاق المدارس، مع انخفاض القدرة على رؤية الأشياء البعيدة بشكل كبير، مقارنة بنتائج الفحوصات السنوية السابقة، خاصة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6-8 سنوات، وبمقارنة الساعات التي قضاها الأطفال في المراحل المختلفة أمام الشاشات تبيَّن للباحثين أن قصر النظر لم يكن مرتبطا بالوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة، كان التفسير الأقرب هو عدم التعرُّض لضوء النهار. (8)

وأشارت دراسة نشرتها مجلة “إنترناشيونال جورنال أوف بيهافيورال نيوتريشن آند فيزيكال أكتيفيتي” (International Journal of Behavioral Nutrition and Physical Activity) عام 2020 حول النشاط البدني للأطفال والوقت الذي يقضونه في الهواء الطلق مقارنة بالوقت المخصص أمام الشاشات إلى أن الأطفال في عمر الثامنة قضوا أثناء إغلاق “كوفيد-19” في أوائل عام 2020 أكثر من خمس ساعات يوميا في المتوسط أمام الشاشات، وكان هذا وقت الترفيه فحسب، إلى جانب الساعات المخصصة للعمل المدرسي وكانت أمام الشاشات في المنازل أيضا. وكما أشرنا، فإن معظم هذه الأوقات لا يتعرض فيها الأطفال لضوء النهار، ناهيك بتعرضهم المبالغ فيه لضوء الشاشات. (9)

لكنها مسؤولة أيضا

التدخين والنظر 25
(شترستوك)

لا يزال الباحثون يطرحون الاحتمالات حول أسباب الزيادة في حالات قصر النظر، فالتغييرات التي شهدها الغذاء في مرحلة الطفولة، وزيادة معدل استخدام الشاشات الرقمية، وتغير الأساليب التعليمية بقضاء وقت أكبر في الدراسة في المنزل على حساب الدراسة في فصول المدرسة، إلى جانب مواصلة العديد من الأشخاص لدراستهم بعد الجامعة وبالتالي قضاء المزيد من الوقت في القراءة، كلها أسباب محتملة. (10)

توسَّع تقرير “بيسيون إي بيدا” في بحث أسباب الإصابة بقصر النظر بين عدد من الإسبان في أعمار مختلفة، كان من بينها العوامل الوراثية، ليكتشف أنها أكثر انتشارا في الدول الآسيوية التي تعاني بالفعل من معدلات أكبر ويزحف نحوها قصر النظر بشكل أسرع، كما أشار إلى عوامل تتعلق بالعادات، مثل التدخين المعروف بتأثيره السلبي على صحة العين، ومقدار النشاط البدني والعادات المتعلقة بقضاء وقت الفراغ في المنزل أو في أماكن مفتوحة، والعادات الغذائية، والفرق بين المقيمين في القرى والمدن لبحث تأثير التلوث.

المستوى التعليمي كان بين ما بحثه التقرير أيضا للتعرف على السنوات التي قضاها الشخص في القراءة القريبة ونوعية الوظيفة وما تعنيه من ساعات يقضيها أمام ضوء اصطناعي. وقد أشار التقرير إلى أن الممارسات في مرحلة الطفولة عموما لها تأثير مباشر على تطور قصر النظر، في مرحلة الشباب أيضا يكون للوجود لوقت أطول في الأماكن الخارجية تأثيره في إعاقة تطور قصر النظر، كشفت نتائج الدراسة إلى أنه على أهمية أن نعيش في مناطق أقل تلوثا مع مزيد من المساحات الخضراء، فقد كان الفرق بين الأطفال في المدن والقرى من حيث معدلات قصر النظر ليس كبيرا، يُمثِّل فقط 1.8% أكثر في المدن، وكان الأكثر تأثيرا هو نوع الأنشطة الترفيهية التي يمارسها الأطفال، وقضاء وقت في الخارج، حيث ارتبط لمعدلات أقل لقصر النظر.

قصر النظر 22
(شترستوك)

وفيما يتعلق بعادات الحياة، كشف التقرير وجود علاقة مباشرة بين التدخين ومعدلات أعلى من قصر النظر، كما كشف أن قصر النظر يشيع بشدة بين الحاصلين على تعليم أعلى، والذين يدرسون أو يقرؤون أكثر من سبع ساعات يوميا (بنسبة 26%)، بينما تصل النسبة إلى 15.1% فقط بين من يدرسون أقل من ساعة. (11)

التكنولوجيا تُحدث تأثيرا أيضا؛ فالتركيز أمام الشاشات بفاصل أقل من متر عن العين يؤدي إلى جفاف العين، عند التركيز في الشاشات خلال العمل يكون تكرار طرفة العين أقل من الطبيعي. تُنتج العين دمعة واحدة في الساعة تقوم بترطيب العين، وعند إغماضها تتوزع الدموع لتمنع جفاف مقلة العين، وبالتالي حين يقل معدل الرمش تفقد العين رطوبتها، كما أن اعتياد العين على الرؤية من قريب -مسافة أقل من متر واحد- يؤدي إلى نقص تدريب مقلة العين على الرؤية البعيدة، فيبدأ ظهور المشكلات خاصة عند وجود استعداد وراثي. (12)

التقنيات الحديثة تغير أجسامنا بالكامل

وفيما يبدو، نحن نواجه اليوم حصاد التغييرات التي تُحدثها التكنولوجيا في أجسامنا. في عام 2020 نشرت مجلة “OH&RM” المتخصصة في العلوم الطبية والبيولوجية دراسة حول التأثيرات السلبية للتكنولوجيا على أجسامنا، وكيف يمكن الحد منها، أشارت الدراسة إلى أن عمل النصف الأيسر من المخ يتوقَّف عند النظر إلى الشاشة فيتوقَّف عن التطور بشكل طبيعي، ما يُقلِّل مهارات التفكير المنطقي والتحليلي وتكوين الجمل ومهارات الكتابة والقراءة أيضا.

كما أشارت الدراسة إلى أن تتابع المحفزات السمعية والبصرية على الشاشة تتجاوز قدرة الدماغ على التحكم بها، فتتعطل العمليات العقلية المرتبطة بها، كما يعاني المستخدمون للشاشات من علامات مثل الرعاش والحكة ووخز الإصبع، بعد ساعات قليلة من انتهاء العمل بسبب حركات اليد المنتظمة لساعات طويلة، ويتأثر أيضا نمو العظام لدى الأطفال والمراهقين. (13)

لإدراك التأثير الذي يُحدثه استخدام التكنولوجيا يوميا علينا بشكل كامل، ذهبت شركة الاتصالات الدولية “TollFree” إلى أبعد من ذلك حين جمعت في عام 2021 الآثار السلبية المحتملة للتكنولوجيا على أجسامنا في شخص افتراضي واحد أطلقت عليه اسم “ميندي”، فجسَّدت نتائج البحث العلمي وآراء الخبراء في مصمم ثلاثي الأبعاد لإنسان مستقبلي تغير جسمه بسبب استخدام الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب المحمولة وغيرها من التقنيات، وافترضت أن هذا هو الشكل الذي سيبدو عليها البشر عام 3000.

النظر 123
صورة لميندي كما تخيله تقرير شركة “TollFree” (مواقع التواصل الاجتماعي)

بدا “ميندي” متقوِّس الظهر والرقبة بسبب طريقة الجلوس والوقوف، تعديل وضعنا باستمرار لإلقاء نظرة على الهاتف أو شاشة المكتب يُجهد الرقبة فتبذل جهدا إضافيا لدعم الرأس، كما يُحدِث خللا في توازن العمود الفقري بسبب الجلوس لساعات طويلة. يتأثر شكل الأصابع والذراعين أيضا بسبب الإمساك المستمر بالهاتف الذكي، تلتف أصابعنا في وضع غير طبيعي لفترات طويلة، يبدو ذراع “ميندي” أيضا في شكل مختلف يُعرف باسم “مرفق الهاتف الذكي” بسبب الوضع المعتاد للذراع عند حمل الهواتف الذكية واستخدامها.

وأشار التقرير بجانب ذلك إلى تأثُّر سُمْك الجمجمة وتأثُّر الأطفال خاصة نظرا لأن دماغهم أصغر، حيث تمتص أدمغتهم ما يصل إلى ثلاثة أضعاف الإشعاع مقارنو بأدمغة البالغين، مع الوقت ستُطوِّر أجسامنا جماجم أكثر سُمكا لتحمينا من أضرار الأشعة. أما عن العين فقد كان التغيير فيها هو الأغرب، أوضح كاسون راتناياكي من جامعة توليدو أنها قد تتطور جذريا لتحد من كمية الضوء الضار التي نتعرَّض لها، من خلال جفن داخلي يمنع التعرض للضوء المفرط أو ربما عدسة عين أكثر تطورا تحجب الضوء الأزرق.

في تقريرها ذكرت الشركة أننا لا نزال بعيدين عن أن نبدو بهذا المظهر، بعض التغييرات مبالغ فيها لكنها تُمثِّل كل المخاوف التي سيكون علينا وضعها في الاعتبار لكي نضمن بعض التوازن بين الإنتاجية وما تتطلبه صحتنا من رعاية. (14)

كيف نحفظ صحة العين؟

قصر النظر 11111
(بيكسابي)

يؤكد تقرير “بيسيون إي بيدا” أن تغيير بعض العادات خاصة مع الأطفال يسمح لهم بالاستمتاع برؤية جيدة في المستقبل. تظل الصحة البصرية إحدى الحواس الأقل حماية، إذ لا توجد توعية بأهمية الفحص البصري، لذا يوصي التقرير بالخضوع للفحص، خاصة عند ظهور علامات مثل الحكة او احمرار العين أو الدموع، وكذلك إرهاق أو ألم العين الذي يُشير إلى احتمال وجود مشكلة بصرية. كذلك نصح التقرير باستخدام النظارات الطبية والعدسات اللاصقة وارتداء النظارات الشمسية للحد من التأثير السلبي للأشعة فوق البنفسجية على شبكية العين. (15)

وللحد من التأثير الضار للشاشات تنصح الأكاديمية الأميركية لطب العيون أثناء العمل باتباع نظام 20-20-20؛ كل 20 دقيقة من العمل عليك النظر إلى شيء يقع على بُعد 20 مترا لمدة 20 ثانية، هكذا ببساطة خلال جلوسك يمكنك تحويل بصرك إلى شيء بعيد.

يُوصي المتخصصون باستخدام الشاشات من مسافة صحيحة، بحيث تبتعد الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية مسافة 30 أو 40 سم، بينما تكون شاشة الحاسب على بُعد 60 أو 70 سم، وقد يحد من الخطر أيضا توصيل الشاشات الصغيرة بشاشات تلفزيونية أكبر حين يكون ذلك ممكنا، مع استخدام ضوء غير باهر في حالة العمل ليلا لتجنب إجهاد العينين. (16)

_________________________________

المصادر

  1. Global Prevalence of Myopia and High Myopia and Temporal Trends from 2000 through 2050
  2. Impact of the COVID-19 virus outbreak on movement and play behaviours of Canadian children and youth: A national survey
  3. UK rates of nearsightedness have increased significantly over time, study finds
  4. Impact of the COVID-19 virus outbreak on movement and play behaviours of Canadian children and youth: A national survey
  5. La pandemia de la miopía
  6. Global Prevalence of Myopia and High Myopia and Temporal Trends from 2000 through 2050
  7. Epidemia global de miopía en niños
  8. Progression of Myopia in School-Aged Children After COVID-19 Home Confinement
  9. Impact of the COVID-19 virus outbreak on movement and play behaviours of Canadian children and youth: A national survey
  10. Los científicos alertan de una emergente “epidemia de miopía”
  11. La pandemia de la miopía
  12. Miopía, la epidemia silenciosa
  13. The impact of technology on the human body
  14. From Text Claw to Tech Neck: How Technology Affects Our Bodies
  15. La pandemia de la miopía
  16. Miopía, la epidemia silenciosa

تابع القراءة من المصدر الرسمي من هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى